06-06-2010, 01:23 PM
|
#65
|
|
Moderator
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:
بأن الناس إذا اعتبرت أحوالهم وتبينت أمورهم وجدتهم كلهم كالآلات والأدوات لواضعي النواميس الإلهية في تأسيسهم بنيانها ، وتتميمهم أحكامها ، وتكميلهم شرائطها ، وحفظهم أركانها ؛ ثم تجدهم خدماً وخولاً للملوك الذين هم خلفاء الأنبياء من بعدهم في حفظها وحراستها على نظامها وترتيبها ، كما رتبها واضعوالنواميس وأمروا بمراعاتها ، وهم في ذلك أصناف وطبقات ومراتب مرتبات كترتيب الأعداد المفردات.
وذلك أن:
واضع الناموس في مبدئه كالواحد في العدد ، وأصحابه وأنصاره الذين اتبعوه كالآحاد ، ومن تبعهم على مناهجهم كالعشرات ، ومن جاء من بعدهم كالمئات ، ومن بعدهم كالألوف ، ومن جاء من بعدهم كعشرات الألوف ومئات الألوف بالغاً ما بلغ ، إلى يوم القيامة ، ثم يصيرون بذلك كلهم جملة واحدة.
كما ذكر الله ، جل ثناؤه ، بقوله وأشار إلى هذا المعنى:
( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون ).
وقال تعالي:
( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ، وعرضوا على ربك صفاً ).
وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:
بأنك إذا أنعمت النظر في الأمور المعقولة ، وجودت التأمل لأحكام الناموس وحدوده ، واعتبرت أحوال صاحب الناموس ونفاذ أمره ونهيه في نفوس اتباعه وأنصاره ، وامتثالهم أمره ونهيه ، وطاعتهم له ، تبينت وعرفت بأن الناموس مملكة روحانية ، وإن وجوده وقوامه في حفظ أركانه الثمانية ، وتبينت بأن أركانه الذين هم أتباع صاحب الناموس وأنصاره ، وهم ثمانية أصناف ، كل صنف منهم كأنهم صف قيام ، حاملون ركناً من أركان الناموس.
فأول الأصناف هم:
قراء تنزيله وكتبه ، وحفاظ ألفاظه على رسومها ، ومعلموها لمن بعدهم من ذراريهم ، ليؤدوا إلى من بعدهم من أتباعهم ما أخذوا عمن قبلهم ؛ كل ذلك لكيلا يجهلها من يجيء من بعدهم وتنسى فتندرس معالم الدين ، وتضمحل وتبطل أحكام الناموس.
والصنف الثاني هم:
رواة أخباره ، وناقلوأحاديثه ، وحافظوسيره ، ومؤدوها إلى من بعدهم ، ليبلغوها إلى آخرهم كيلا يجهل وينسى فتندرس آثاره ، ويموت أخباره فلا تعرف.
والصنف الثالث هم:
فقهاء أحكام الناموس ، وعلماء سننه ، وحفاظ حدوده ، كيلا تجهل فلا تستعمل ، أوتنسى فتندرس معالم الدين ، وتضمحل ويبطل الناموس.
والصنف الرابع هم:
المفسرون ألفاظ تنزيله الظاهرة ، وأقاويله المروية والمعبرون عن وجوه معانيه المختلفة ، لمن قصر فهمه عنها ، وقلت معرفته بها: كل ذلك كيلا يجهلها من يجيء من بعدهم من ذراريهم وأتباعهم في أحكام الناموس ، أوتنسى فتندرس معالم الدين ، وتضمحل وتبطل أحكام الناموس.
والصنف الخامس هم:
أنصاره المجاهدون ، وغزاة أعدئه ، الحافظون ثغور بلاد أتباع صاحب الناموس وأنصاره ، كيلا يغلب عليها أعداؤهم ويفسد أمر دينهم عليهم ، كما فعل بخت نصر بإيلياء في هيكل بني إسرائيل ، وهو ببيت المقدس ، وكما فعلت الروم بثغور المسلمين.
والصنف السادس هم:
خلفاء صاحب الناموس في أمته ، ورؤساء الجماعات ، والحارسون شريعته على أمته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، المانعون لهم أن يسيروا بغير سيرة الناموس ، الحافظون أطراف المملكة ، كيلا يخرج خارجي سراً أوعلانية ، فيفسد أحكام الناموس بتمويهه وزروه على قلوب العامة والجهال ، كما فعل مزدك الخرمي في مملكة قباذ ملك الفرس.
والصنف السابع هم:
الزهاد والعباد في المساجد ، والرهبان والقوام في الهياكل ، والخطباء على المنابر الواعظون الناس المحذورون لهم من ترك استعمال أحكام الناموس ، الذامون أمور الدنيا ، المحذرون لهم من الاغترار بأمانيها ، المزهدون للمنهمكين في الشهوات ، المذكرون أمر المعاد وأحوال القيامة للغافلين عنها ، المشوقون إلى نعيم الآخرة ، المقرون بها: كل ذلك كيلا يجهل أمر المعاد، ولا ينسى ذكر الآخرة ، والاستعداد للرحلة إليها ، والتزود من الدنيا التقوى الذي هوخير الزاد ، إذ كان هذا هوالغرض الأقصى في وضع الناموس الإلهي ، والغاية والمطلب من الرياضيات الفلسفية.
والصنف الثامن هم:
علماء تأويل تنزيله ، والراسخون في العلوم الإلهية والمعارف الربانية ، العارفون خفيات أسرار الناموس ، الذين هم الأئمة المهديون ، والخلفاء الراشدون الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.
وأعلم يا أخي:
بأنك إذا تأملت ونظرت إلى كل صنف من هذه الأصناف الثمانية واعتبرت أحوالهم وما هم عليه ومتعلقون به، من حفظ هذه الأمور الثمانية ، وحرصهم على مراعاتهم بشرائطها كما وصفنا ، ثم نظرت بعين قلبك ونور بصيرتك وصفاء جوهرك إلى جملتهم ، وتخيلتها في وهمك ، وفكرت ، رأيت الناموس مملكة روحانية ، ورأيت أتباع صاحب الناموس وأنصاره يسعون فيه ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ؛ ورأيت واضع الناموس قد استوى على عرشه نافذاً فيهم أمره ونهيه ، وهم حاملون عرشه يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ، ويستغفرون لمن في الأرض ، وهم من بعدهم من أتباعهم ، لأنهم كالسماء لمن بعدهم ، ومن بعدهم كالأرض لهم ، ولمن قبلهم من أسلافهم.
وأعلم يا أخي:
بأن كل طائفة من هذه الأصناف الثمانية تحتاج ، في حفظها ركناً من أركان الناموس ، إلى شرائط معلومة ، وخصال محمودة ، وأخلاق جميلة نحتاج أن نشرحها ونصفها.
أما التي يحتاج إليها القراء والحفظة:
من الأخلاق الجميلة والخصال المحمودة والشرائط المعلومة ، فأولها فصاحة الألفاظ ، وتقويم اللسان ، وطيب النغمة ، وجودة العبارة ، وسرعة الحفظ ، وجودة الفهم ، ودوام الدرس والنشاط في القراءة ، والتواضع لمن يتعلم منه ، والتعظيم له ، ومعرفة حقه وحرمته ، والرفق بمن يعلمه ، والشفقة عليه ، وقلة الضجر من إبطاء فهمه وحفظه ، وترك ضيق الصدر من تلقينه ، وقلة الطمع في أخذ العوض منه ، وقلة المنة عليه بما يعلمه.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق أصحاب الأخبار وحملة الأحاديث:
فأولها جودة الاستماع ، واستيفاء الكلام ، وضبط الألفاظ على رسمها ، وتقييدها بالكتابة ، والتحرز والتحرج والحذر من الزيادة فيها والنقصان عن تمامها ، والصدق وحسن الأداء وتجنب الكذب ، ثم الحكاية عنها بهيأتها ، وبذلها ونشرها لمن سأل عنها ، اويصلح له الإخبار عنها ؛ وطيها وصونها عمن لا تصلح له ولا تليق به: كل ذلك نصيحة للإخوان ، ونصرة للدين ولواضع الناموس ، وابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه في الآخرة.
وأما التي يحتاج إليها الفقهاء والقضاة والمفتون:
من هذه الخصال والأخلاق والشرائط المحمودة فيها ، والقيام منها بما هم بسبيله ، فأولها معرفة الرتب التي رتبها واضع الناموس من الأوامر والنواهي والفرائض والسنن والنوافل والحلال والحرام والحدود والحكام ؛ ثم معرفة القياس وكيفية استخراج الفروع من الأصول في الفتاوى والمسائل الواردة التي ليس لها ذكر في الأصول ، والتثبت والتأني في الفتيا ، والاستقصاء في استفهام السؤال بجميع شرائطه ، ثم قلة الترخيص في الشبهات من المحذورات ، وترك التحريج في المشكلات ، ودرء الحدود بالشبهات ؛ وقلة الخلاف مع أبناء الجنس ، وترك الحسد للأقران ، وبذل النصيحة للإخوان ، والشفقة والتحنن على الجهال ، وترك الافتخار في الإصابة في الأحكام ، وقلة الشنعة على العلماء بزلاتهم ، والاحتمال لأذية الجيران ، وقلة الرغبة في حطام الدنيا ، وعفة الفرج ، وترك الطمع ، والقيام بواجب أحكام الناموس ، وإن لا يكون قوله مخالفاً لعمله.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط المفسرون لألفاظ التنزيل:
فأولها معرفة غرض صاحب الناموس في إيراده التنزيل ، واستعماله الألفاظ المشتركة المعاني ، ثم أن يكون له اتساع في معرفة تصاريف الكلام والأقاويل ، وما يحتملها من المعاني مما يؤكد غرض واضع الناموس ؛ ويكون له جودة بحث وبعد غور في استخراج المعاني ولطف العبارة عنها ، بحسب ما تحتمل عقول المستمعين ، ويقرب من فهم المتعلمين ، ويكون له من يقظة القلب ما لا يناقض أقاويله وعباراته ولا في المعاني التي يشير إليها في تفسيره لألفاظ تنزيل واضع الناموس وأقاويله وكلامه وبيانه.
وأعلم يا أخي بأنه متى لم يكن المفسر عارفاً بغرض واضع الناموس في إيراده الألفاظ المشتركة المعاني في تنزيله وأقاويله وعباراته وبيانه ، تخيل له من تلك الألفاظ من المعاني غير ما أشار إليه واضع الناموس ، وتوهم سوى ما أراد فيها ، فأفهم المستمعينمن تفسيره ما تخيل هو ، وعلم المتعلمين ما علم به ، فصار له ذلك ديناً ومذهباً غير دين واضع الناموس وطريقته ، وكان مخالفاً له في اعتقاده في الشريعة وهو لا يشعر ؛ ويكون بذلك مفسداً في أحكام الناموس ، وهو يظن أنه من المصلحين ، ولا يدري.
فاحذر يا أخي من هذا الباب ، فإن فساد ديانات واضعي الناموس وأحكام شرائعهم أكثرها من هذا الباب يكون.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط أنصار واضع الناموس ، وغزاة أعدائه ، والحافظون ثغور بلاد أتباعه وأنصاره:
أن يكون لهم تعصب للدين وغيرة على حرمة الناموس ، وحمية من اجل فساد يدخل عليه ، وحنق على العداء المجاهرين بالعداوة لواضع الناموس ودينه ، المريدين فساد أحكامه ؛ وقلة الهيبة منهم ، وشجاعة النفس عند البراز ، وخفة الحركة عند الجولان ، وتيقظ القلب من غدر العدو ، وأخذ الحذر في أوقات الغفلة ، وقلة الاغترار بقلتهم ، وطلب الحيلة للظفر ما استوى من غير قتال ، ومخادعة في الحروب ، ومبادرة في البراز إلى الأقران والأكفاء ، وصبر عند اللقاء ، وكثرة الذكر لله عز وجل ، والاستعانة به ، والأنفة من الفرار وما يكون فيه من العار ، وقلة الرغبة في النهب ، والتقية من هتك الحريم عند الظفر ، وكثرة الشكر لله ، وترك الإفساد عند الهزيمة ، ورحمة الأسير ، وقبول الصلح عند الهدنة ، والوفاء بالعهد ، وترك الإعجاب عند كثرة عدد الأعوان والأنصار.
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط الزهاد والعباد والمذكرون للناس أمر الآخرة وذكر المعاد:
فأولها التي هي أساس الدين وملاك الأمر القناعة باليسير من حطام الدنيا ، والرضى بالقليل من متاعها ولذاتها ، وصيانة النفس عن الانهماك في شهواتها ولذاتها ، وترك طلب المنزلة والجلالة والكرامة ، وقلة الحرص في طلب الحاجات فيها ، والاشتغال بطلب العلم ، والعبادة بالصوم والصلاة مع أبناء الجنس ، وترك الخلطة في الراغبين فيها من أبنائها ، والتفرد في الخلوات ، وكثرة ذكر الموت وفناء نعيم الدنيا وزوال ملكها ، والنظر إلى آثار القرون الماضية ، والاعتبار بها ، والدور الخربة والمنازل الدارسة العافية للأمم الخالية ، والنظر في كتب الحكماء وأخبار سير الملوك الماضية ، والتفكر في الأمثال المضروبة على ألسنة الحكماء ذوي التجربة في وصفهم الدنيا واعتبارهم تصاريف الزمان ونوائب الحدثان ، والتيقن بأمر المعاد ، وشدة الاشتياق إلى نعيم الآخرة دار القرار مع الأبرار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ،" وحسن أولئك رفيقاً ".
وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط خلفاء واضع الناموس ، وهم طائفتان:
إحداهما .....
خلفاؤه في الملك والرياسة في أمور الدنيا والتدبير والسياسة في حفظ ظاهر أحكام الناموس على أهلهم ، فقد أفردنا له رسالة ، إذ كان هذا الباب يحتاج إلى خطب طويل وشرح كثير.
وأما .....
خلفاؤه في أسرار أحكام الناموس الذين هم الأئمة المهديون والخلفاء الراشدون فقد بينا أخلاقهم وخصالهم وشرائطهم وعلومهم ومعارفهم وطرائقهم في إحدى وخمسين رسالة عملناها ودوناها ، وهذه الرسالة واحدة منها.
فقم أيها الأخ البار الرحيم ، أيدك الله وإيانا بروح منه ، بالعمل بواجبها ، والقيام بحقها ، وأخبر جميع إخواننا حيث كانوا في البلاد بما في هذه الرسالة والرسائل الأخر ، إذ الدال على الخير كفاعله.
وقد بينا بما ذكرنا طرفاً من خصال صاحب الناموس وحكم أتباعه معه في حفظهم أركان الناموس ، وتصاريف أحوالهم في الدنيا ، فنريد أن نذكر طرفاً من كيفية أحوالهم في الآخرة وتصاريف أحكامها ، إذ كان هذا هو الغرض الأقصى في وضع النواميس الإلهية وسنن الديانات النبوية.
( يتبع ...... )
|
|
|