قديم 04-22-2010, 01:07 PM   #61
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته







وأعلم يا أخي بأن:

من الناس من يكون اعتقاده تابعاً لأخلاقه ، ومنهم من تكون أخلاقه تابعة لاعتقاده.

وذلك أن من يكون مطبوعاً على طبيعة مريخية:

فإنه تميل نفسه إلى الآراء والمذاهب التي يكون فيها التعصب والجدال والخصومات أكثر.

وهكذا أيضاً من يكون مطبوعاً طبيعة مشترية:

فإنه تكون نفسه مائلة إلى الآراء والمذاهب التي يكون فيها الزهد والورع واللين أكثر.

وعلى هذا القياس توجد آراء الناس ومذاهبهم تابعة لأخلاقهم.

وأما الذي تكون أخلاقه تابعة لاعتقاده فهو:

الذي إذا اعتقد رأياً أومذهباً وتصوره وتحقق به ، صارت أخلاقه وسجاياه مشاكلة لمذهبه واعتقاده ، لأنه يصرف أكثر همه وعنايته إلى نصرة مذهبه ، وتحقيق اعتقاده في جميع متصرفاته ، فيصير ذلك خلقاً له وسجية وعادة يصعب إقلاعه عنها وتركه لها.

وعلى هذا الجنس من الأخلاق:

تقع المجازاة من المدح والذم والثواب والعقاب والوعد والوعيد والترغيب والترهيب ، لأنه اكتساب من صاحبه وفعل له.

والمثال في ذلك ما جاء في الخبر:

أن رجلين اصطحبا في بعض الأسفار ، أحدهما مجوسي من أهل كرمان ، والآخر يهودي من أهل أصفهان ، وكان المجوسي راكباً على بغلة عليها كل ما يحتاج إليه المسافر في سفره من الزاد والنفقة والأثاث ، فهو يسير مرفهاً ، واليهودي كان ماشياً ليس معه زاد ولا نفقة. فبينما هما يتحدثان ، إذ قال المجوسي لليهودي:

ما مذهبك واعتقادك ، يا خوشاك.

قال اليهودي:

اعتقادي أن هذه السماء إلهاً هو إله بني إسرائيل وأنا أعبده. وأسأله وأطلب إليه ومنه سعة الرزق ، وطول العمر ، وصحة البدن ، والسلامة من الآفات ، والنصرة على الأعداء ؛ أريد منه الخير لنفسي ولمن يوافقني في ديني ومذهبي ، فحلال لي دمه وماله ، وحرام علي نصرته اونصيحته أومعاونته اوالرحمة أوالشفقة عليه.

ثم قال للمجوسي:

قد أخبرتك عن مذهبي واعتقادي لما سألتني عنه ، فأخبرني ، يا مغا ، أنت ايضاً عن مذهبك واعتقادك.

قال المجوسي:

أما اعتقادي ورأيي فهو أني أريد الخير لنفسي ولأبناء جنسي كلهم ؛ ولا أريد لأحد من الخلق سوءاً ، لا لمن كان على ديني ويوافقني ، ولا لمن يخالفني ويضادني في مذهبي.

فقال اليهودي له:

وإن ظلمك وتعدى عليك.

قال:

نعم ، لأني أعلم أن في هذه السماء إلهاً خبيراً فاضلاً عادلاً حكيماً عليماً لا تخفى عليه خافية في أمر خلقه ، وهو يجازي المحسنين بإحسانهم ، ويكافئ المسيئين على اساءتهم.

فقال اليهودي للمجوسي:

فلست أراك تنصر مذهبك وتحقق اعتقادك.

فقال المجوسي:

وكيف ذلك.

قال:

لأني من أبناس جنسك ، وأنت تراني أمشي متعوباً جائعاً ، وأنت راكب شبعان مترفه.

قال:

صدقت ، وماذا تريد.

قال:

أطعمني واحملني ساعة لأستريح فقد أعييت.

فنزل المجوسي عن بغلته ، وفتح له سفرته ، فأطعمه حتى أشبعه ، ثم أركبه ومشى معه ساعة يتحدثان.

فلما تمكن اليهودي من الركوب ، وعلم أن المجوسي قد أعيا ، حرك البغلة وسبقه ، وجعل المجوسي يمشي فلا يلحقه ، فناداه:

يا خوشاك ، قف لي وانزل فقد أعييت.

فقال له اليهودي:

أليس قد أخبرتك عن مذهبي يا مغا ، وخبرتني عن مذهبك ، ونصرته وحققته ، وأنا أريد أيضاً أن أنصر مذهبي وأحقق اعتقادي ؛ وجعل يجري البغلة والمجوسي في أثره يعدو.

ويقول:

ويحك ، يا خوشاك ، قف لي قليلاً واحملني معك ، ولا تتركني في هذه البرية تأكلني السباع وأموت جوعاً وعطشاً ، وارحمني كما رحمتك.

وجعل اليهودي لا يفكر في ندائه ، ولا يلوي عليه ، حتى مضى وغاب عن بصره.

فلما يئس المجوسي منه وأشرف على الهلاك ، تذكر تمام اعتقاده ، وما وصف له بأن في السماء إلهاً خبيراً فاضلاً عالماً عادلاً لا يخفى عليه من أمر خلقه خافية ، فرفع رأسه إلى السماء فقال:

يا إلهي ، قد علمت إني قد اعتقدت مذهباً ونصرته وحققته ووصفتك بما سمعت وعلمت وتحققت ، فحقق عند اليهودي خوشاك ما وصفتك به ليعلم حقيقة ما قلت.

فما مشى المجوسي إلا قليلاً حتى رأى اليهودي وقد رمت به البغلة فاندقت عنقه ، وهي واقفة بالبعد منه تنتظر صاحبها. فلما لحق المجوسي بغلته ركبها ومضى لسبيله ، وترك اليهودي يقاسي الجهد ويعالج كرب الموت.

فناداه اليهودي:

يا مغا ، ارحمني واحملني ولا تتركني في هذه البرية تأكلني السباع وأموت جوعاً وعطشاً ، وحقق مذهبك ، وانصر اعتقادك.

قال المجوسي:

قد فعلت مرة ، ولكن بعد لم تفهم ما قلت لك ، ولم تعقل ما وصفت لك.

فقال اليهودي:

وكيف ذلك ؟

فقال:

لأني وصفت لك مذهبي فلم تصدقني بقولي حتى حققته بفعلي ، وأنت بعد لم تعقل ما قلت لك ، وذلك أني قلت لك أن في هذه السماء إلهاً خبيراً فاضلاً عالماً عادلاً لا يخفى عليه خافية ، وهو يجازي المحسنين بإحسانهم ، ويكافئ المسيئين بإساءتهم.

قال اليهودي:

قد فهمت ما قلت وعلمت ما وصفت.

فقال له المجوسي:

فما الذي منعك أن تتعظ بما قلت لك يا خوشاك.

فقال اليهودي:

اعتقاد قد نشأت عليه ومذهب قد ألفته وصار عادة وجبلة بطول الدؤوب فيه ، وكثرة الاستعمال له ، اقتداء بالآباء والأمهات والأستاذين والمعلمين من أهل ديني ومذهبي ، فقد صار جبلة وطبيعة ثابتة ، يصعب علي تركها والإقلاع عنها.

فرحمه المجوسي وحمله معه حتى جاء به إلى المدينة وسلمه إلى أهله مكسوراً. وحدث الناس بقصته وحديثه معه ، فجعلوا يتعجبون. فقال بعض الناس للمجوسي:

كيف حملته بعد شدة جفائه بك وقبيح مكافأته إحسانك إليه.

قال المجوسي:

اعتذر إلى وقال: مذهبي كيت وكيت ، وقد صار جبلة وطبيعة ثابتة لطول الدؤوب فيه وجريان العادة به ، يصعب الإقلاع عنها والترك لها ، وأنا أيضاً قد اعتقدت رأياً وسلكت مذهباً صار لي عادة وجبلة ، فيصعب الإقلاع عنها والترك لها.

وإذ قد تبين بما ذكرنا أن العلل الموجبة لاختلاف أخلاق النفوس ، والأسباب المؤدية إليها أربعة أنواع حسب ، كما قلنا في أول الرسالة ، فنقول الآن إن الأخلاق كلها نوعان:

إما .....

مطبوعة في جبلة النفوس مركوزة فيها.

وإما .....

مكتسبة معتادة من جريان العادة وكثرة الاستعمال.

ومن وجه آخر أيضاً إن الأخلاق نوعان:

منها .....

ما هي أصول وقوانين.

ومنها .....

ما هي فروع وتابعة لها.

فنحتاج ان نبينها ونفصلها ليعرف بعضها من بعض ، إذ كان هذا الفن من المعرفة من العلوم الشريفة النافعة جداً ، وخاصة لمن له عناية برياضة النفس وتهذيبها وإصلاح أخلاقها ، إذ كانت أخلاق النفوس هي أحد الأسباب المنجية لها من الهلكة ، المفصلة بعضها من بعض.


( يتبع ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 05-01-2010, 01:18 PM   #62
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الباري جل ثناؤه ، لما أبدع النفوس واخترعها وأبرز المستكن والمستجن من الكائنات ، رتبها ونظمها كمراتب الأعداد المفردات ، كما ذكر تعالى بقوله حكاية عن الملائكة قولهم:

( وما منا إلا له مقام معلوم ، وإنا لنحن الصافون ، وإنا لنحن المسبحون ).


وأعلم يا أخي بأن أعداد النفوس كثيرة لا يحصيها إلا الله ، جل ثناؤه ، كما قال:

( وما يعلم جنود ربك إلا هو ).

ولكن نحتاج أن نذكر طرفاً من مراتبها ومقاماتها الجنسية ، إذ كانت الأنواع والأشخاص لا يمكن تعديدها ولا يعلمها إلا هو.

وأعلم يا أخي بأن مراتب النفوس ثلاثة أنواع:

فمنها .....

مرتبة الأنفس الإنسانية.

ومنها .....

ما هي فوقها.

ومنها .....

ما هي دونها.

فالتي هي دونها سبع مراتب ، والتي فوقها سبع أيضاً ، وجملتها خمس عشرة مرتبة.

والمعلوم من هذه المراتب التي ذكرناها عند العلماء ، ويمكن لكل عاقل أن يعرفها ويحس بها ، خمس ، منها اثنتان فوق رتبة الإنسانية وهي رتبة الملكية والقدسية ، ورتبة الملكية هي رتبة الحكمية ، ورتبة القدسية هي رتبة النبوة والناموسية ، واثنتان دونها وهي مرتبة النفس النباتية والحيوانية ، ويعلم صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا ، الناظرون في علم النفس من الحكماء والفلاسفة وكثير من الأطباء.

وأما الرتبتان اللتان فوق رتبة الإنسانية فهي مرتبة الحكمة وفوقها الناموسية ؛ وأما مرتبة الإنسانية فهي التي ذكرها الله تعالى بقوله:

( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ).

وأما التي فوق هذه فما أشار إليه بقوله:

( ولما بلغ أشده واستوى ).

يعني الإنسان:

( آتيناه حكماً وعلماً ).

وقال أيضاً:

( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ).

يعني الإنسان احيينا نفسه بنور الهداية ، وهذه هي مرتبة نفوس المؤمنين العارفين والعلماء الراسخين.

فأما التي فوقها فمرتبة النفوس النبوية الواضعين النواميس الإلهية ، وإليها أشار بقوله ، جل ثناؤه:

( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ).

وهذه المرتبة تلي مرتبة القدسية الملكية. فقد تبين بما ذكرنا ، المراتب الخمس التي يمكن الإنسان أن يعلمها ويحس بها. فأما المراتب التي دون النباتية وفوق القدسية فبعيدة معرفتها على المرتاضين بالعلوم الإلهية، فكيف على غيرهم.

وإذ قد فرغنا من ذكر ما أردنا أن نقدمه فنقول الآن ونخبر بكل ما يخص كل نوع من هذه النفوس الخمس من المعونة والتأييد.

أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

أن الله جل ثناؤه ، لما ربط الأنفس الجزئية بالأجسام الجزئية أيدها وأعانها بضروب من المعاونة وفنون من التأييدات: كل ذلك جود منه ولطف بها ، وأنعام منه عليها ، وإفضال وإحسان غليها ، وإكرام لها ، وذلك أنه كلما بلغت نفس منها رتبة ما ، أمدها بزيادة فضلاً منه وجوداً ، أونقلها إلى ما فوقها وأرفع منها وأعز وأشرف وأجل وأكرم.

كل ذلك ليبلغها إلى أقصى مدى غاياتها وتمام نهاياتها ، وإذ تبين بما ذكرنا ، مراتب النفوس الخمس ، وما الفائدة والحكمة في رباطها بالأجسام ، فنريد أن نذكر ما يخص كل نوع منها من المعاونة والتأييد ، وهي القوى الطبيعية ، والأخلاق المركوزة ، والهياكل الجسمانية ، والأدوات الجسدانية ، والشعورات الحسية ، والأوهام الفكرية ، والحركات المكانية ، والأفعال الإرادية ، والأعمال الاختيارية ، والصنائع الحكمية ، والأوضاع الناموسية ، والسياسات الملكوتية ؛ ونبدأ بذكر الشهوات المركوزة في الجبلة والقوى الطبيعية المعينة لها ، إذ كانت هي الأصل والقانون في جميع القوى والأخلاق والخصال والأفعال والحركات والحس والشعور بها ومن أجلها، كما سنبين بعد.

وأعلم يا أخي بأن من الأخلاق والقوى:

1- ما هي منسوبة إلى النفس النباتية الشهوانية.

2- ومنها ما هي منسوبة إلى الحيوانية الغضبية.

3- ومنها ما هي منسوبة إلى النفس الإنسانية الناطقة.

4- ومنها ما هي منسوبة إلى النفس العاقلة الحكمية.

5- ومنها ما هي منسوبة إلى النفس الناموسية الملكية.

فأما المنسوبة إلى النفس الشهوانية من الخصال والقوى التي تخصها:

فأولها شهوة الغذاء .....

وهي النزوع والشوق نحو المأكولات والمشروبات والمشتهيات ، والرغبة فيها ، والحرص في طلبها ، واحتمال المشقة والذل من أجلها ، والفرح والسرور بوجدانها ، والراحة واللذة في تناولها ، والملل والشبع عند الاستكفاء منها ، والنفور من الضار منها والبغض له ، ومن القوى المختصة بها أيضاً القوة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمصورة ؛ ومن الشعور والتمييز معرفة الجهات الست ، ومن الأفعال إرسال العروق نحوالجهات الندية والتراب اللين ، وتوجيه الفروع والقضبان إلى الجهات المتسعة ، والميل والانحراف عن الأمكنة الضيقة والأجسام المؤذية.

كل هذه الخصال مركوزة في الجبلة من غير فكر ولا روية ، وكل ذلك معاونة من الطبيعة لنفوسها وتأييد لها بإذن باريها جل ثناؤه ، على طلب مشتهياتها والوصول إلى منافعها ، والفرار من المضرة ، إذ كانت تلك المشتهيات هي غذاء لأجسامها ، ومادة لقوامها وسبباً لبقائها كلها ، إذ كان في بقائها كلها تتميم لمعارفها وتكميل لفضائلها ؛ وفي تتميم معارفها وتكميل فضائلها ترق لها إلى أفضل حالاتها وأشرف نهاياتها.

وأما المنسوبة إلى النفس الحيوانة المختصة بها:

من الخصال المركوزة في الجبلة زيادة على ما تقدم فهي شهوة الجماع ، وشهوة الانتقام ، وشهوة الرياسة ، ولها أيضاً الهياكل اللحمية ، والأعضاء المختلفة للأغراض العجيبة ، والمفاصل اللينة للحركات المكانية والتنقل في الجهات الست لمآرب ومنافع كثيرة ؛ ولها الشعور بالحواس المخصوصة والأصوات المختلفة لدلالات متبانية ، ولها أيضاً الوهم والتخيل للمطالب والمنافع ، والحفظ والذكر لعرفان أبناء الجنس والمخالف ، وإمكان الاحتراس من المضار ، والنفور والفرار من العدو.

كل هذه مركوزة في جبلة الحيوانات القريبة النسبة إلى الإنسان.

فأما علة شهوة الجماع .....

المركوزة في جبلتها فهي من أجل التناسل ، والتناسل هو من أجل بقاء الصورة في الأشخاص المتواترة ، إذ كانت الهيولى دائمة في السيلان لا تقف طرفة عين.

وأما علة شهوة الانتقام .....

المركوزة في جبلتها فهي من أجل دفع المضرات المفسدات لهياكلها المتشخصة.

وأعلم يا أخي بأن دفع المضار تارة يكون بالقهر والغلبة ، وتارة يكون بالهرب والفرار ، وتارة بالتحرز والتحصن ، وتارة بالمكر والحيلة.

وأما شهوة الرياسة .....

المركوزة في جبلتها فهي من أجل تأكيد السياسة ، إذ كانت السياسة لا تتم إلا بعد وجدان الرياسة.

وأعلم يا أخي بأن المراد من السياسة هو صلاح الموجودات وبقاؤها على أفضل الحالات وأتم الغايات.

وأما المنسوبة إلى النفس الناطقة المختصة بها:

زيادة على ما تقدم ذكره .....

فهي شهوة العلوم والمعارف والتبحر والاستكثار منها ، وشهوة الصنائع والأعمال والحذق فيها والافتخار بها، وشهوة العز والرفعة والترقي في غايات نهاياتها ، والشوق إليها والرغبة فيها ، والحرص في طلبها ، واحتمال الذل والمشقة من أجلها ، والفرح والسرور من وجدانها ، واللذة والراحة عند الوصول إليها ، والغم والحزن من فقدانها.


( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 05-01-2010, 01:42 PM   #63
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته







وأعلم يا أخي بأن:

هذه الخصال مركوزة في جبلة الإنسان ، ولكن تختلف اختيارات كل واحد لها حسب ما تيسر له وتتأكد أسبابه.

وذلك أن من الناس:

من تيسر له أسباب الصنائع والحرف.

وآخر:

أسباب العلوم والآداب.

وآخر:

تيسر ه أسباب العمل والتصرف.

وآخر:

أسباب التجارات والبيع والشراء.

وآخر:

أسباب الملك والسلطان.

وآخر:

أسباب البطالة والفراغ.

وآخر:

أسباب الحكم والمعارف.

ومما أعطيت النفس الناطقة من نعم الله تعالى وخصت به من إحسانه ، من بين نفوس سائر الحيوانات ، وأعينت به على البلوغ إلى أقصى مدى غاياتها ، وأيدت للوصول إلى تمام نهاياتها ، وهذا الهيكل العجيب البنية ، المحكم الصورة ، المتقن الصنعة الذي قد عجزت الحكماء عن كنه معرفته ، وتركيب بنيته من غرائب الصنعة ، وما خص به أيضاً من فصاحة لسانه وغرائب لغاته وفنون أقاويله وحسن بيانه من بين سائرها ، وما خص به أيضاً من طريف شكل يديه ، وما يتأتى له بهما من الصنائع المحكمة والأعمال المتقنة من بين سائرها ، وما خص به أيضاً من طرائف أدوات حواسه وغرائب طرقات إدراكها للمحسوسات.

ومما خصت به أيضاً النفس الناطقة الإنسانية:

من نعم الله تعالى وإحسانه العقل الغريزي وكثرة أعوانه وجنوده وخصاله المحمودة.

وأما التي تنسب من الخصال المحمودة إلى النفس الحكمية:

فشهوة العلوم والمعارف وما أعينت به على طلبها وإدراكها والوصول إليها من الخصال المركوزة والقوى المجبولة: كالذهن الصافي والفهم الجيد وذكاء النفس ، وصفاء القلب وحدة الفؤاد ، وسرعة الخاطر ، وقوة التخيل وجودة التصور ، والفكر والروية والتأمل والاعتبار ، والنظر والاستبصار ، والحفظ والتذكار ، ومعرفة الروايات والأخبار ، ووضع القياسات واستخراج النتائج بالمقدمات ، والتكهن والقيافة والفراسة ، وقبول الوحي والإلهام ، ورؤية المنامات والإنذار بالكائنات بعلم النجوم والزجر.

كل ذلك معاونة لها وتأييد إلى البلوغ إلى الغاية والوصول إليها.

وأما التي تنسب إلى النفس الملكية القدسية:

فهي شهوة القرب إلى ربها والزلفى لديه ، وقبول الفيض منه ، وإفاضة الجود على من دونها من أبناء جنسها ، كما ذكر الله تعالى بقوله عز وجل:

( يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ).

وقوله سبحانه:

( يستغفرون لمن في الأرض ).

وقوله تعالي:

( فأغفر للذين تابوا ).

وقال جل ثناؤه:

( كراماً كاتبين ).

فهذا تفصيل جملة ما ينسب إلى كل جنس من النفوس ، والمخصوص بها من الشهوات المركوزة فيها ، فأما التي تعمها كلها فشهوة البقاء على أتم الحالات وأكمل الغايات وكراهية الفناء والنقص عن الحال الأفضل والكمل.

وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأنك أن أنعمت النظر فيما وصفنا ، وتأملت ما ذكرنا ، وجودت البحث عن مبادئ الكائنات وعلة الموجودات ، علمت وتيقنت أن هاتين الحالتين ، أعني شهوة البقاء وكراهية الفناء ، أصل وقانون لجميع شهوات النفوس المركوزة في جبلتها وإن تلك الشهوات المركوزة في جبلتها أصول وقوانين لجميع أخلاقها وسجاياها ، وتلك الأخلاق أصول وقوانين لجميع أفعالها وصنائعها ومعارفها ومتصرفاتها.

وإنما صارت هاتان الحالتان مركوزتين في جبلة كل الموجودات ، وجميع الكائنات ، من أجل أن الباري ، جل ثناؤه:

لما كان هو على الموجودات وسبب الكائنات ومبدعها ومخترعها وموجدها ومبقيها ومتممها ومكملها ومبلغها إلى أقصى مدى غاياتها وأفضا حالاتها ، وكان جل ثناؤه ، دائم البقاء لا يعرض له شيء من الفناء ، صار من أجل هذا في جبلة الموجودات محبة البقاء وشهوته وكراهية الفناء وبغضه ، لأن في جبلة المعلول يوجد بعض صفات العلة دلالة دائمة عليها ، وإنما لا يعرض للباري جل ثناؤه ، شيء من النقص والفناء ، من أجل إنه علة الوجود لذاته ، وبقاؤه من نفسه.

وأما سائر الموجودات وجميع الكائنات فلوجودها أسباب وعلل ، ومتى عدم منها شيء أونقص ، عرض لها الفناء والنقص والقصور عن البلوغ إلى الحال الأفضل والوجود الأكمل ، والمثال في ذلك النبات والحيوان ، فإنه متى عدم الغذاء الذي هو هيولى الأجساد ، ومادة بقائها ، هلك وانفسد وتغير واضمحل.

وهكذا حكم نفوسها متى بطلت هياكلها بطل شعورها وإحساسها ، ولم يمكنها إظهار أفعالها وتأثيراتها ، فتكون بتلك الحال النفوس موجودة ولكن على حال النقص ، كما أن تراب أجسادها يكون موجوداً لكن على حال النقص.

وقد يعلم بأوائل العقول بأن الوجود على الحال الأفضل ألذ وأشرف وأفضل من الوجود على النقص.

وقد قالت الحكماء والفلاسفة بأن:

كل شيء يراد فهو من أجل الخير ، والخير يراد من أجل ذاته ، والخير المحض السعادة ، والسعادة تراد لنفسها لا لشيء آخر.

وأعلم يا اخي بأن النفوس الجزئية:

إنما ربطت بأجسادها التي هي أجسام جزئية كيما تكمل فضائلها ، وتخرج كل ما في القوة والإمكان إلى الفعل والظهور من الفضائل والخيرات. ولم يمكن ذلك إلا بارتياطها بهذه الأجساد وتدبيراتها لها ، كما أن الباري جل ثناؤه ، لم يكن إظهار جوده وفيض إحسانه وأفضاله وإنعامه إلا بايجاد هذا الهيكل العظيم المبني بالحكمة ، المصنوع بالقدرة ، أعني الفلك المحيط وما يحويه من سائر الأفلاك والكواكب والأركان والمولدات الكائنات ، وتدبيره لها وسياسته إياها.

وإذ قد تبين بما ذكرنا ما الغرض وما الفائدة من الشهوات المركوزة في الجبلة ، وما يتبعها من الأخلاق والخصال ، وهي:

أن تدعو تلك الشهوات النفوس إلى طلب المنفعة لأجسادها ودفع المكروه والمضرة عنها ، وتعينها تلك الأخلاق والخصال عليها ، فنريد أن نبين الآن ما الخير منها وما الشر وما المذموم منها وما المحمود ، ومتى يكون الإنسان مثاباً بها أومعاقباً.



( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 05-09-2010, 02:00 PM   #64
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






5- ترتب الأخلاق على بعضها وكونها فضيلة أو رذيلة.




وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الإنسان لما كان جسده مركباً من الخلاط الأربعة ، وكان مزاجه من الطبائع الأربعة ، جعل الباري - جل ثناؤه - بواجب الحكمة ، أكثر أموره وتصاريف أحواله مربعات مشاكلات مطابقات بعضها لبعض ، ليكون أعون له على ما يراد منه وأدل: من ذلك أنك تجد أخلاقه وأفعاله بعضها طبيعية مركوزة في الجبلة ، كما ذكرنا طرفاً من ذلك ، وبعضها عقلية فكرية ، وبعضها ناموسية سياسية.

وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الطبيعة هي خادمة للنفس ومقدمة لها ، وأن النفس خادمة للعقل ومقدمة له ، وأن العقل خادم للناموس ومقدمة له ، وذلك أن الطبيعة إذا أصلت خلقاً وركزته في الجبلة ، جاءت النفس الاختيار فأظهرته وبينته ، ثم جاء العقل بالفكر والروية فتممه وكمله ، ثم جاء الناموس بالأمر والنهي فسواه وقومه وعدله ، وذلك أنه متى ظهرت من الطبيعة هذه الشهوات المركوزة في الجبلة ، وكانت على ما ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، من أجل ما ينبغي ، سميت خيراً ؛ ومتى كانت بخلافه سميت شراً ؛ ومتى فعل ذلك باختياره وإرادته ، على ما ينبغي ، بمقدار ما ينبغي ، من أجل ما ينبغي ، كان صاحبه محموداً ؛ ومتى كان بخلافه كان مذموماً ؛ ومتى كان اختياره وإرادته بفكر وروية ، على ما وصفنا ، كان صاحبه حكيماً فيلسوفاً فاضلاً ؛ ومتى كان بخلافه سمي سفيهاً جاهلاً رذلاً ؛ ومتى كان فعله وإرادته واختياره وفكره ورويته مأموراً بها ومنهياً عنها ، وفعل ما ينبغي كما ينبغي ، على ما ينبغي ، كان صاحبه مثاباً بها ومجازى عليها ؛ ومتى كان بخلاف ما ذكرناه كان مأخوذاً بها ومعاقباً عليها.

فقد تبين بما ذكرنا أن الشهوات المركوزة في الجبلة ، والأخلاق المنتشئة منها ، والأفعال التابعة لها ، وجميع المتصرفات من أجلها ، هي لأن تبقى النفوس على أفضل حالاتها ، ويبلغ كل نوع منها إلى أقصى مدى غاياتها.

وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الباري ، جل ثناؤه ، لما رتب النفوس مراتبها كمراتب الأعداد المفردات ، على ما اقتضت حكمته ، جعل أولها متصلاً بآخرها ، وآخرها متصلاً بأولها ، بوسائطها المرتبة بينهما ، لترتقي بها ما دونها إلى المرتبة التي فوقها ، ليبلغها إلى مدى غاياتها ، وتمام نهاياتها ، وذلك أنه رتب النفوس النباتية تحت الحيوانية وجعلها خادمة لها ، ورتب الحيوانية تحت الناطقة الإنسانية وجعلها خادمة لها ، ورتب الناطقة الإنسانية تحت العاقلة الحكمية وجعلها خادمة لها ، ورتب العاقلة تحت الناموسية وجعلها خادمة لها ، ورتب الناموسية تحت الملكية وجعلها خادمة لها ؛ فأية نفس منها انقادت لرئيسها وامتثلت أمره في سياستها ، نقلت إلى مرتبة رئيسها ، وصارت مثلها في الفعل.

والمثال في ذلك من المشاهد:

أن أي تلميذ أومتعلم في علم أوصناعة امتثل أمر أستاذه وانقاد لمعلمه ودام عليه ، فإنه سيصير يوماً ما إلى مرتبة أستاذه ، ويصير مثل معلمه ؛ لا يخفى هذا على كل عاقل متأمل مثل ما وصفنا ، فعلى هذا المثال يكون تنقل النفوس في مراتبها.

وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن أحق النفوس الحيوانية أن تنقل إلى رتبة الإنسانية التي هي الخادمة للإنسان ، المستأنسة به ، المنقادة لأمره ، المتعوبة في طاعته ، الشقية في خدمته. وخاصة المذبوحة منها في القرابين. وعلى هذا المثال والقياس حكم النفوس الإنسانية ، فإن أحقها أن تنتقل إلى رتبة الملائكة التي هي الخادمة في أوامر الناموس ونواهيه ، المنقادة لأحكامه ، المتعوبة في حفظ أركانه.

وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الناس أصناف وطبقات في متصرفاهم في أمور الدنيا لا يحصي عددها إلا الله ، جل ثناؤه ، كما ذكر بقوله تعالى:

( وقد خلقكم أطواراً ).

ولكن يجمعهم كلهم هذه السبعة الأقسام:

وذلك أن منهم .....

أرباب الصنائع والحرف والأعمال.

ومنهم .....

أرباب التجارات والمعاملات والأموال.

ومنهم .....

أرباب البنايات والعمارات والأملاك.

ومنهم .....

الملوك والسلاطين والأجناد وأرباب السياسات.

ومنهم .....

المتصرفون والخدامون والمتعيشون يوماً بيوم.

ومنهم .....

الزمنى ؛ والعطل وأهل البطالة والفراغ.

ومنهم .....

أهل العلم والدين والمستخدمون في الناموس.

وكل طائفة من هذه السبعة تنقسم إلى أصناف كثيرة ، ولكل صنف منها أخلاق وطباع وسجايا ومآرب أكسبتهم إياها أعمالهم ، وأوجبتها لهم متصرفاتهم ، لا يشبه بعضها بعضاً ، ولا يحصي عددها إلا الله عز وجل.

ولكن نريد أن نذكر منها ما يحتاج إليه ، من الأخلاق والسجايا والخصال والأعمال والآداب والعلوم ، أهل الدين المتمسكون بأحكام الناموس الحافظون أركانه الذين يرجى لهم النجاة بها والفوز باستعمالها ، كما ذكر الله جل ثناؤه:

( قل هذه سبيلي أدعوإلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ).

وقوله عز وجل:

( ينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ).

وقال تعالى:

( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ).

وآيات كثيرة من القرآن في مثل هذه المعاني.



( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 06-06-2010, 01:23 PM   #65
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الناس إذا اعتبرت أحوالهم وتبينت أمورهم وجدتهم كلهم كالآلات والأدوات لواضعي النواميس الإلهية في تأسيسهم بنيانها ، وتتميمهم أحكامها ، وتكميلهم شرائطها ، وحفظهم أركانها ؛ ثم تجدهم خدماً وخولاً للملوك الذين هم خلفاء الأنبياء من بعدهم في حفظها وحراستها على نظامها وترتيبها ، كما رتبها واضعوالنواميس وأمروا بمراعاتها ، وهم في ذلك أصناف وطبقات ومراتب مرتبات كترتيب الأعداد المفردات.

وذلك أن:

واضع الناموس في مبدئه كالواحد في العدد ، وأصحابه وأنصاره الذين اتبعوه كالآحاد ، ومن تبعهم على مناهجهم كالعشرات ، ومن جاء من بعدهم كالمئات ، ومن بعدهم كالألوف ، ومن جاء من بعدهم كعشرات الألوف ومئات الألوف بالغاً ما بلغ ، إلى يوم القيامة ، ثم يصيرون بذلك كلهم جملة واحدة.

كما ذكر الله ، جل ثناؤه ، بقوله وأشار إلى هذا المعنى:

( يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون ).

وقال تعالي:

( وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً ، وعرضوا على ربك صفاً ).

وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأنك إذا أنعمت النظر في الأمور المعقولة ، وجودت التأمل لأحكام الناموس وحدوده ، واعتبرت أحوال صاحب الناموس ونفاذ أمره ونهيه في نفوس اتباعه وأنصاره ، وامتثالهم أمره ونهيه ، وطاعتهم له ، تبينت وعرفت بأن الناموس مملكة روحانية ، وإن وجوده وقوامه في حفظ أركانه الثمانية ، وتبينت بأن أركانه الذين هم أتباع صاحب الناموس وأنصاره ، وهم ثمانية أصناف ، كل صنف منهم كأنهم صف قيام ، حاملون ركناً من أركان الناموس.

فأول الأصناف هم:

قراء تنزيله وكتبه ، وحفاظ ألفاظه على رسومها ، ومعلموها لمن بعدهم من ذراريهم ، ليؤدوا إلى من بعدهم من أتباعهم ما أخذوا عمن قبلهم ؛ كل ذلك لكيلا يجهلها من يجيء من بعدهم وتنسى فتندرس معالم الدين ، وتضمحل وتبطل أحكام الناموس.

والصنف الثاني هم:

رواة أخباره ، وناقلوأحاديثه ، وحافظوسيره ، ومؤدوها إلى من بعدهم ، ليبلغوها إلى آخرهم كيلا يجهل وينسى فتندرس آثاره ، ويموت أخباره فلا تعرف.

والصنف الثالث هم:

فقهاء أحكام الناموس ، وعلماء سننه ، وحفاظ حدوده ، كيلا تجهل فلا تستعمل ، أوتنسى فتندرس معالم الدين ، وتضمحل ويبطل الناموس.

والصنف الرابع هم:

المفسرون ألفاظ تنزيله الظاهرة ، وأقاويله المروية والمعبرون عن وجوه معانيه المختلفة ، لمن قصر فهمه عنها ، وقلت معرفته بها: كل ذلك كيلا يجهلها من يجيء من بعدهم من ذراريهم وأتباعهم في أحكام الناموس ، أوتنسى فتندرس معالم الدين ، وتضمحل وتبطل أحكام الناموس.

والصنف الخامس هم:

أنصاره المجاهدون ، وغزاة أعدئه ، الحافظون ثغور بلاد أتباع صاحب الناموس وأنصاره ، كيلا يغلب عليها أعداؤهم ويفسد أمر دينهم عليهم ، كما فعل بخت نصر بإيلياء في هيكل بني إسرائيل ، وهو ببيت المقدس ، وكما فعلت الروم بثغور المسلمين.

والصنف السادس هم:

خلفاء صاحب الناموس في أمته ، ورؤساء الجماعات ، والحارسون شريعته على أمته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، المانعون لهم أن يسيروا بغير سيرة الناموس ، الحافظون أطراف المملكة ، كيلا يخرج خارجي سراً أوعلانية ، فيفسد أحكام الناموس بتمويهه وزروه على قلوب العامة والجهال ، كما فعل مزدك الخرمي في مملكة قباذ ملك الفرس.

والصنف السابع هم:

الزهاد والعباد في المساجد ، والرهبان والقوام في الهياكل ، والخطباء على المنابر الواعظون الناس المحذورون لهم من ترك استعمال أحكام الناموس ، الذامون أمور الدنيا ، المحذرون لهم من الاغترار بأمانيها ، المزهدون للمنهمكين في الشهوات ، المذكرون أمر المعاد وأحوال القيامة للغافلين عنها ، المشوقون إلى نعيم الآخرة ، المقرون بها: كل ذلك كيلا يجهل أمر المعاد، ولا ينسى ذكر الآخرة ، والاستعداد للرحلة إليها ، والتزود من الدنيا التقوى الذي هوخير الزاد ، إذ كان هذا هوالغرض الأقصى في وضع الناموس الإلهي ، والغاية والمطلب من الرياضيات الفلسفية.

والصنف الثامن هم:

علماء تأويل تنزيله ، والراسخون في العلوم الإلهية والمعارف الربانية ، العارفون خفيات أسرار الناموس ، الذين هم الأئمة المهديون ، والخلفاء الراشدون الذين يقضون بالحق وبه يعدلون.

وأعلم يا أخي:

بأنك إذا تأملت ونظرت إلى كل صنف من هذه الأصناف الثمانية واعتبرت أحوالهم وما هم عليه ومتعلقون به، من حفظ هذه الأمور الثمانية ، وحرصهم على مراعاتهم بشرائطها كما وصفنا ، ثم نظرت بعين قلبك ونور بصيرتك وصفاء جوهرك إلى جملتهم ، وتخيلتها في وهمك ، وفكرت ، رأيت الناموس مملكة روحانية ، ورأيت أتباع صاحب الناموس وأنصاره يسعون فيه ويعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ؛ ورأيت واضع الناموس قد استوى على عرشه نافذاً فيهم أمره ونهيه ، وهم حاملون عرشه يسبحون بحمد ربهم ، ويؤمنون به ، ويستغفرون لمن في الأرض ، وهم من بعدهم من أتباعهم ، لأنهم كالسماء لمن بعدهم ، ومن بعدهم كالأرض لهم ، ولمن قبلهم من أسلافهم.

وأعلم يا أخي:

بأن كل طائفة من هذه الأصناف الثمانية تحتاج ، في حفظها ركناً من أركان الناموس ، إلى شرائط معلومة ، وخصال محمودة ، وأخلاق جميلة نحتاج أن نشرحها ونصفها.

أما التي يحتاج إليها القراء والحفظة:

من الأخلاق الجميلة والخصال المحمودة والشرائط المعلومة ، فأولها فصاحة الألفاظ ، وتقويم اللسان ، وطيب النغمة ، وجودة العبارة ، وسرعة الحفظ ، وجودة الفهم ، ودوام الدرس والنشاط في القراءة ، والتواضع لمن يتعلم منه ، والتعظيم له ، ومعرفة حقه وحرمته ، والرفق بمن يعلمه ، والشفقة عليه ، وقلة الضجر من إبطاء فهمه وحفظه ، وترك ضيق الصدر من تلقينه ، وقلة الطمع في أخذ العوض منه ، وقلة المنة عليه بما يعلمه.

وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق أصحاب الأخبار وحملة الأحاديث:

فأولها جودة الاستماع ، واستيفاء الكلام ، وضبط الألفاظ على رسمها ، وتقييدها بالكتابة ، والتحرز والتحرج والحذر من الزيادة فيها والنقصان عن تمامها ، والصدق وحسن الأداء وتجنب الكذب ، ثم الحكاية عنها بهيأتها ، وبذلها ونشرها لمن سأل عنها ، اويصلح له الإخبار عنها ؛ وطيها وصونها عمن لا تصلح له ولا تليق به: كل ذلك نصيحة للإخوان ، ونصرة للدين ولواضع الناموس ، وابتغاء وجه الله وجزيل ثوابه في الآخرة.

وأما التي يحتاج إليها الفقهاء والقضاة والمفتون:

من هذه الخصال والأخلاق والشرائط المحمودة فيها ، والقيام منها بما هم بسبيله ، فأولها معرفة الرتب التي رتبها واضع الناموس من الأوامر والنواهي والفرائض والسنن والنوافل والحلال والحرام والحدود والحكام ؛ ثم معرفة القياس وكيفية استخراج الفروع من الأصول في الفتاوى والمسائل الواردة التي ليس لها ذكر في الأصول ، والتثبت والتأني في الفتيا ، والاستقصاء في استفهام السؤال بجميع شرائطه ، ثم قلة الترخيص في الشبهات من المحذورات ، وترك التحريج في المشكلات ، ودرء الحدود بالشبهات ؛ وقلة الخلاف مع أبناء الجنس ، وترك الحسد للأقران ، وبذل النصيحة للإخوان ، والشفقة والتحنن على الجهال ، وترك الافتخار في الإصابة في الأحكام ، وقلة الشنعة على العلماء بزلاتهم ، والاحتمال لأذية الجيران ، وقلة الرغبة في حطام الدنيا ، وعفة الفرج ، وترك الطمع ، والقيام بواجب أحكام الناموس ، وإن لا يكون قوله مخالفاً لعمله.

وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط المفسرون لألفاظ التنزيل:

فأولها معرفة غرض صاحب الناموس في إيراده التنزيل ، واستعماله الألفاظ المشتركة المعاني ، ثم أن يكون له اتساع في معرفة تصاريف الكلام والأقاويل ، وما يحتملها من المعاني مما يؤكد غرض واضع الناموس ؛ ويكون له جودة بحث وبعد غور في استخراج المعاني ولطف العبارة عنها ، بحسب ما تحتمل عقول المستمعين ، ويقرب من فهم المتعلمين ، ويكون له من يقظة القلب ما لا يناقض أقاويله وعباراته ولا في المعاني التي يشير إليها في تفسيره لألفاظ تنزيل واضع الناموس وأقاويله وكلامه وبيانه.

وأعلم يا أخي بأنه متى لم يكن المفسر عارفاً بغرض واضع الناموس في إيراده الألفاظ المشتركة المعاني في تنزيله وأقاويله وعباراته وبيانه ، تخيل له من تلك الألفاظ من المعاني غير ما أشار إليه واضع الناموس ، وتوهم سوى ما أراد فيها ، فأفهم المستمعينمن تفسيره ما تخيل هو ، وعلم المتعلمين ما علم به ، فصار له ذلك ديناً ومذهباً غير دين واضع الناموس وطريقته ، وكان مخالفاً له في اعتقاده في الشريعة وهو لا يشعر ؛ ويكون بذلك مفسداً في أحكام الناموس ، وهو يظن أنه من المصلحين ، ولا يدري.

فاحذر يا أخي من هذا الباب ، فإن فساد ديانات واضعي الناموس وأحكام شرائعهم أكثرها من هذا الباب يكون.

وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط أنصار واضع الناموس ، وغزاة أعدائه ، والحافظون ثغور بلاد أتباعه وأنصاره:

أن يكون لهم تعصب للدين وغيرة على حرمة الناموس ، وحمية من اجل فساد يدخل عليه ، وحنق على العداء المجاهرين بالعداوة لواضع الناموس ودينه ، المريدين فساد أحكامه ؛ وقلة الهيبة منهم ، وشجاعة النفس عند البراز ، وخفة الحركة عند الجولان ، وتيقظ القلب من غدر العدو ، وأخذ الحذر في أوقات الغفلة ، وقلة الاغترار بقلتهم ، وطلب الحيلة للظفر ما استوى من غير قتال ، ومخادعة في الحروب ، ومبادرة في البراز إلى الأقران والأكفاء ، وصبر عند اللقاء ، وكثرة الذكر لله عز وجل ، والاستعانة به ، والأنفة من الفرار وما يكون فيه من العار ، وقلة الرغبة في النهب ، والتقية من هتك الحريم عند الظفر ، وكثرة الشكر لله ، وترك الإفساد عند الهزيمة ، ورحمة الأسير ، وقبول الصلح عند الهدنة ، والوفاء بالعهد ، وترك الإعجاب عند كثرة عدد الأعوان والأنصار.

وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط الزهاد والعباد والمذكرون للناس أمر الآخرة وذكر المعاد:

فأولها التي هي أساس الدين وملاك الأمر القناعة باليسير من حطام الدنيا ، والرضى بالقليل من متاعها ولذاتها ، وصيانة النفس عن الانهماك في شهواتها ولذاتها ، وترك طلب المنزلة والجلالة والكرامة ، وقلة الحرص في طلب الحاجات فيها ، والاشتغال بطلب العلم ، والعبادة بالصوم والصلاة مع أبناء الجنس ، وترك الخلطة في الراغبين فيها من أبنائها ، والتفرد في الخلوات ، وكثرة ذكر الموت وفناء نعيم الدنيا وزوال ملكها ، والنظر إلى آثار القرون الماضية ، والاعتبار بها ، والدور الخربة والمنازل الدارسة العافية للأمم الخالية ، والنظر في كتب الحكماء وأخبار سير الملوك الماضية ، والتفكر في الأمثال المضروبة على ألسنة الحكماء ذوي التجربة في وصفهم الدنيا واعتبارهم تصاريف الزمان ونوائب الحدثان ، والتيقن بأمر المعاد ، وشدة الاشتياق إلى نعيم الآخرة دار القرار مع الأبرار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ،" وحسن أولئك رفيقاً ".

وأما التي يحتاج إليها من هذه الخصال والأخلاق والشرائط خلفاء واضع الناموس ، وهم طائفتان:

إحداهما .....

خلفاؤه في الملك والرياسة في أمور الدنيا والتدبير والسياسة في حفظ ظاهر أحكام الناموس على أهلهم ، فقد أفردنا له رسالة ، إذ كان هذا الباب يحتاج إلى خطب طويل وشرح كثير.

وأما .....

خلفاؤه في أسرار أحكام الناموس الذين هم الأئمة المهديون والخلفاء الراشدون فقد بينا أخلاقهم وخصالهم وشرائطهم وعلومهم ومعارفهم وطرائقهم في إحدى وخمسين رسالة عملناها ودوناها ، وهذه الرسالة واحدة منها.

فقم أيها الأخ البار الرحيم ، أيدك الله وإيانا بروح منه ، بالعمل بواجبها ، والقيام بحقها ، وأخبر جميع إخواننا حيث كانوا في البلاد بما في هذه الرسالة والرسائل الأخر ، إذ الدال على الخير كفاعله.

وقد بينا بما ذكرنا طرفاً من خصال صاحب الناموس وحكم أتباعه معه في حفظهم أركان الناموس ، وتصاريف أحوالهم في الدنيا ، فنريد أن نذكر طرفاً من كيفية أحوالهم في الآخرة وتصاريف أحكامها ، إذ كان هذا هو الغرض الأقصى في وضع النواميس الإلهية وسنن الديانات النبوية.



( يتبع ...... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 06-29-2010, 05:53 AM   #66
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





وأعلم يا اخي أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الناموس وضع لصلاح الدين والدنيا جميعاً ، وأن الدنيا والآخرة هما داران متقابلتان ، واسماهما مضادتان ، ومعناهما وحقيقتهما وصفتهما مختلفات متضادات ، إحداهما كالقشرة وهي الدنيا ، والأخرى كاللب وهي الآخرة ، ولهما أهل وبنون ، ولأهلهما وبنيهما صفات وأخلاق وسجايا وأعمال متخالفات متضادات ، نحتاج أن نشرحها ونفصلها ونذكر الفرق بينها وبين حقيقتها ، ونميز بين أهلها، ليعلمها ويعرفها كل من أراد أن يفهمه ، ويريد هذا العلم ، إذ كان هومن أشرف العلوم وأجل المعارف التي يتعاطاها الناس من سائر العلوم.

فنقول:

أما الدنيا فاسمها مشتق من الدنووالقرب ، والآخرة من التأخر ؛ وأما حقيقتهما ، فالدنيا هي تصاريف أمور تجري على الإنسان من يوم ولادة الجسد إلى يوم الممات الذي هو ولادة النفس ومفارقتها إياه ، والآخرة هي تصاريف أمور تجري على الإنسان من يوم الممات ومفارقة النفس الجسد إلى ما بعدها أبد الآبدين ودهر الداهرين.

وأعلم يا أخي بأن الله ، جل ثناؤه:

سمى الحياة الدنيا عرضاً ومتعاً إلى حين ، لأن كون الإنسان في الدنيا عارض عرض في طريق الآخرة ، ولم يكن القصد والغرض المقام فيها ، كما أن الغرض في الكون في الرحم لم يكن الغرض والقصد طول المكث والمقام هناك ، ولكن طريقاً وجوازاً إلى الدنيا ، فكذلك كون النفس في هذا الجسد هو سفينة ومركوب ومعبر إلى الدار الآخرة ، وذلك إنه لم يكن الورود إلى الدنيا دون الكون هنالك زماناً لتتميم بنية الجسد ، فهكذا ايضاً حكم المكث في الدنيا والكون فيها زماناً هوطريق وجواز إلى ما بعدها ، وذلك إنه لم يكن الورود إلى الدار الآخرة دون الجواز على الدنيا والكون فيها زماناً ما لكيما تتم أحوال النفس وتكمل فضائلها.

ولهذا المعنى الذي ذكرناه ووصفناه قيل في الخطب على المنابر في الأعياد والجمعات:

أعلموا أيها الناس إنكم إنما خلقتم للأبد ، ولكن من دار إلى دار تنقلون ، ومن الأصلاب إلى الأرحام ، ومن الأرحام إلى الدنيا ، ومن الدنيا إلى البرزخ ؛ ومن البرزخ إلى الجنة أو إلى النار ، كما ذكر الله - عز وجل - بقوله:

( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ، وأنكم إلينا لا ترجعون ).

وقوله:

( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ).

وآيات كثيرة في القرآن في التزهيد في الدنيا ، والترغيب في الآخرة ، مثل قوله تعالى:

( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ؛ لو كانوا يعلمون ).

يعني أبناء الدنيا لرغبوا فيها أكثر وحرصوا في طلبها أشد ، ولكنهم عنها غافلون ساهون جاهلون ، لا يدرون ما هناك من النعيم واللذات والسرور والفرح والراحة ، كما ذكر الله - عز وجل - واختصر بقوله:

( فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وأنت فيها خالدون ).

فلما جهل أبناء الدنيا أمور الآخرة ، وغفلوا عنها ، اشتغلوا عند ذلك بطلب الدنيا ونعيمها ولذاتها وشهواتها ، وتمنوا الخلود فيها ، لأنها محسوسة لهم ، يشهدونها ، وتلك غائبة عن إدراك الحواس ، فتركوا البحث عنها ، والرغبة فيها ، والطلب لها.

وإليهم أشار بقوله ، جل ثناؤه:

( ورضوا بالحياة الدنيا وأطمأنوا بها ، والذين هم عن آياتنا غافلون ).

وأعلم يا أخي بأن الله ، جل ثناؤه:

سمى الدار الآخرة الحيوان ، لأنها عالم الأرواح ومعدن النفوس ، والدنيا عالم الأجسام ، وجواهر الأجسام موات بطبائعها ، وإنما تكسبها الحياة النفوس والأرواح بكونها فيها ومعها ، كما تكسب الشمس الهواء النور والضياء بإشراقها عليه ، وفيه الدليل على ان النفوس هي التي تكسب الأجساد الحياة بكونها معها ، وما يرى من حال الأجساد قبل الموت من الحس والحركة والشعور والأصوات والتصاريف وكيفية فقدانها ذلك عند الموت الذي ليس هو شيئاً سوى مفارقة النفس الجسد ، مما لا خفاء به عند كل عاقل منصف بعقله في موجبات أحكامه.

وأعلم يا أخي:

بأن أكثر الناس من أتباع واضعي الناموس وأنصارهم مقرون بالآخرة مؤمنون بها ، ولكنهم لا يعرفون ماهيتها ، ولا يدرون ما حقيقتها ولا كيفيتها ولا أبنيتها ، ولا متى وقت الوصول إليها ؛ وهكذا أيضاً كثير من المتفلسفين مقرون بعالم الأرواح وجواهر النفوس ، ولكن أكثرهم أيضاً لا يدرون كيف الطريق نحوها ، ولا كيف الوصول.

وقد بينا نحن في رسائلنا الناموسية والعقلية ما يحتاج إليه كلا الفريقين جميعاً في هذا المعنى.

وإذ قد تبين بما ذكرنا ما الدنيا وما الآخرة فنقول الان إن الناس كلهم أبناء الآخرة وأهلها ، كما هم أبناء الدنيا وأهلها ، ولكنهم ينقسمون في الآخرة قسمين اثنين ، كما هم في الدنيا قسمان اثنان: سعداء وأشقياء.

فأما سعداء بني الدنيا وأشقياؤهم:

فهم معروفون ولسنا نحتاج إلى ذكرهم ، إذ كان هذا هو مشاهد ، ولكن الذي نحتاج أن نذكره علامات سعداء أبناء الآخرة وأخلاقهم وأعمالهم ، إذ كان هذا أمراً خفياً لا يعلم إلا بعد الوصف والشرح والدليل والعلامات.


( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 
أضف مشاركة


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

الإنتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت غرنتش + 3. الساعة الآن » 03:57 PM.

 

Graphic World

Graphic World. Web Solutions and development

جميع الحقوق محفوظة لمنتدى المسلمين الأحرار