قديم 01-31-2010, 02:53 PM   #51
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





الرسالة السابعة: الصنائع العلمية والغرض منها.





أعلم أيها الأخ ، أيدك اله وإيانا بروح منه:

إنا قد فرغنا من ذكر النسب العددية ، وأخبرنا بماهياتها وكمية أجناسها وأنواع تلك الأجناس ، ووصفنا كيفية إظهارها من القوة إلى الفعل ، وبينا أن الموضوع فيها كلها أجسام طبيعية ، وإن مصنوعاتها كلها جواهر جسمانية ، وإن أغراضها كلها عمارة الأرض لتتميم أمر معيشة الحياة الدنيا ؛ فنريد أن نذكر في هذه الرسالة الصنائع العلمية التي هي الموضوع فيها جواهر روحانية ، التي هي أنفس المتعلمين ، ونبين أن تأثيراتها في المتعلمين كلها روحانية ، ونبين أيضاً ماهية العلوم ، ونذكر كمية أجناسها وأنواع تلك الأجناس ، ونصف أيضاً كيفية إخراج ما في قوة النفس من العلوم إلى الفعل الذي هوالغرض الأقصى في التعاليم ، وهوإصلاح جواهر النفوس ، وتهذيب أخلاقها وتتميمها وتكميلها للبقاء في دار الآخرة التي هي دار الحيوان ، لوكانوا يعلمون ، والذين يريدون الخلود في الدنيا هم الغافلون عن أمر الآخرة.


1- مثنوية الإنسان.

أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الإنسان لما كان هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية ، وهما جوهران متباينان في الصفات ، متضادان في الأحوال ، ومشتركان في الأفعال العارضة والصفات الزائلة ، صار الإنسان من أجل جسده الجسماني مريداً للبقاء في الدنيا ، متمنياً للخلود فيها ، ومن أجل نفسه الروحانية صار طالباً للدار الآخرة ، متمنياً للبلوغ إليها ، وهكذا أكثر أمور الإنسان وتصرف أحواله مثنوية ، متضادة كالحياة والممات والنوم واليقظة والعلم والجهالة والتذكر والغفلة والعقل والحماقة والمرض والصحة والفجور والعفة والبخل والسخاء والجبن والشجاعة والألم واللذة ، وهو متردد بين الصداقة والعداوة والفقر والغنى والشبيبة والهرم والخوف والرجاء والصدق والكذب والحق والباطل والصواب والخطأ والخير والشر والقبح والحسن وما شاكلها من الأخلاق والأفعال والأقاويل المتضادة المتباينة التي تظهر من الإنسان الذي هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية.

وأعلم يا أخي بأن:

هذه الخصال التي عددنا لا تنسب إلى الجسد بمجرده ولا إلى النفس بمجردها ، ولكن إلى الإنسان الذي هو جملتها والمجموع منهما الذي هو حي ناطق مائت ، قحياته ونطقه من قبل نفسه وموته من قبل جسده ، وهكذا نومه من قبل جسده ويقظته من قبل نفسه.

وعلى هذا القياس:

سائر أموره وأحواله المتباينات المتضادات ، بعضها من قبل النفس ، وبعضها من قبل الجسد.

مثال ذلك:

عقله وعلمه وحلمه وتفكيره وسخاؤه وشجاعته وعفته وعدله وحكمته وصدقه وصوابه وخيره وما شاكلها من الخصال المحمودة.

فكلها من قبل نفسه وصفاء جوهرها ، وأضدادها من قبل أخلاط جسده ومزاج أخلاطه.

2- الصفات المختصة بالجسد والنفس.

وأعلم يا أخي بأن:

الصفات المختصة بالجسد بمجرده هي أن الجسد جوهر جسماني طبيعي ذوطعم ولون ورائحة وثقل وخفة وسكون ولين وخشونة وصلابة ورخاوة.

وهو متكون من الأخلاط الأربعة التي هي:

الدم والبلغم والمرتان.

المتولدة من الغذاء الكائن من الأركان الأربعة التي هي:

النار والهواء والماء والأرض.

ذوات الطبائع الأربع التي هي:

الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

وهو منفسد أعني الجسد ومتغير ومستحيل وراجع إلى هذه الأركان الأربعة بعد الموت الذي هومفارقة النفس الجسد وتركها استعماله.

وأما الصفات المختصة بالنفس بمجردها فهي:

أنها جوهرة روحانية سماوية نورانية حية بذاتها علامة بالقوة ، فعالة بالطبع ، قابلة للتعاليم ، فعالة في الأجسام ، ومستعملة لها ، ومتممة للأجسام الحيوانية والنباتية إلى وقت معلوم.

ثم إنها:

تاركة لهذه الأجسام ومفارقة لها ، وراجعة إلى عنصرها ومعدنها ومبدئها كما كانت ، إما بربح وغبطة أوندامة وحزن وخسران.

كما ذكر الله عز وجل ، بقوله:

( كما بدأنا تعودون فريقاً هدى ، وفريقاً حق عليهم الضلالة ).

وقال عز وجل:

( كما بدأنا أول خلق نعيده ، وعداً علينا إنا كنا فاعلين ).

وقال تعالى:

( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ).

فكفى بهذا يا أخي زجراً ووعيداً وتهديداً وتوبيخاً ومذكراً ونذيراً ، إن كنت منتبهاً من نوم الغفلة ومستيقظاً من رقدة الجهالة.

وأعيذك أيها الأخ البار الرحيم أن تكون من الذين ذمهم رب العالمين بقوله:

( لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم آذان لا يسمعون بها ، أؤلئك كالأنعام ، بل هم أضل ؛ أؤلئك هم الغافلون ).

أفترى ذمهم من أجل أنهم لم يكونوا يعقلون أمر معيشة الدنيا ، إنما ذمهم لأنهم لم يكونوا يتفكرون في أمر الآخرة والمعاد ولا يفقهون ما يقال لهم من معاني أمر الآخرة وطريق المعاد.

فقال تعالي:

( يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ).

وقال عز وجل:

( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ).

3- مثنوية قنية الإنسان ومثنوية الأعمال.

ولما تبين أن أكثر أمور الإنسان وتصرف أحواله مثنوية متضادة ، من أجل أنه جملة مجموعة من جوهرين متباينين ، جسد جسماني ونفس روحانية ، كما بينا قبل ، صارت قنيته أيضاً نوعين:

جسمانية:

كالمال ومتاع الدنيا.

وروحانية:

كالعلم والدين.

وذلك أن:

العلم قنية للنفس ، كما أن المال قنية للجسد.

وكما أن الإنسان يتمكن بالمال من تناول اللذات من الأكل والشرب في الحياة الدنيا ، فهكذا بالعلم ينال الإنسان طريق الآخرة ، وبالدين يصل إليها ، وبالعلم تضيء النفس وتشرق وتصح ، كما أن الأكل والشرب ينمي الجسد ويزيد ويربوويسمن.

فلما كان هكذا صارت المجالس أيضاً اثنين:

مجلس:

للأكل والشرب واللهو واللعب واللذات الجسمانية ، من لحوم الحيوان ونبات الأرض ، لصلاح هذا الجسد المستحيل الفاسد الفاني.

ومجلس:

للعلم والحكمة وسماع روحاني من لذة النفوس التي لا تبيد جواهرها ، ولا ينقطع سرورها في الدار الآخرة.

كما ذكر الله جل ثناؤه ، بقوله:

( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ).

فلما كانت المجالس اثنين صار أيضاً السائلون اثنين:

واحد:

يسأل حاجة من عرض الدنيا ، لصلاح هذا الجسد ولجر المنفعة إليه ، أو لدفع المضرة عنه.

وواحد:

يسأل مسألة من العلم ، لصلاح أمر النفس وخلاصها من ظلمات الجهالة ، أو للتفقه في الدين طلباً لطريق الآخرة ، واجتهاداً في الوصول إليها ، وفراراً من نار جهنم ، ونجاة من عالمالكون والفساد ، وفوزاً بالوصول إلى عالم الأفلاك وسعة السموات ، والسيحان في درجات الجنان ، والتنفس من ذلك الروح والريحان المذكور في القرآن.



( وللرسائل بقية ...... )



downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 02-01-2010, 02:10 PM   #52
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





3- العلم والمعلوم والتعلم والتعليم وأوجه السؤال.


وينبغي لطالبي العلم والباحثين عن حقائق الأشياء أن يعرفوا أولاً ما العلم وما المعلوم ، وعلى كم وجه يكون السؤال ، وما جواب كل سؤال ، حتى يدروا ما الذي يسألون وما الذي يجيبون إذا سئلوا ، لأن الذي يسأل ولا يدري أي شيء سأل ، فإذا أجيب لا يدري بأي شيء أجيب.

وأعلم يا أخي بأن:

العلم إنما هو صورة المعلوم في نفس العالم ، وضده الجهل وهو عدم تلك الصورة من النفس.

وأعلم بأن:

أنفس العلماء علامة بالفعل ، وأنفس المتعلمين علامة بالقوة ، وأن التعلم والتعليم ليسا شيئاً سوى إخراج ما في القوة ، يعني الإمكان ، إلى الفعل ، يعني الوجود.

فإذا نسب ذلك إلى العالم سمي تعليماً ، وإن نسب إلى المتعلم سمي تعلماً.

وأعلم بأن السؤالات الفلسفية تسعة أنواع مثل تسعة آحاد:

أولها .....

هل هو ؟

والثاني .....

ما هو ؟

والثالث .....

كم هو ؟

والرابع .....

كيف هو ؟

والخامس .....

أي شيء هو ؟

والسادس .....

أين هو ؟

والسابع .....

متى هو ؟

والثامن .....

لم هو ؟

والتاسع .....

من هو ؟

وتفسيرها:

هل هو:

سؤال يبحث عن وجدان شيء أوعن عدمه ، والجواب نعم أو لا.

وما هو:

سؤال يبحث عن حقيقة الشيء ، وحقيقة الشيء تعرف بالحد أو بالرسم ، ذلك أن الأشياء كلها نوعان ، مركب وبسيط ، فالمركب مثل الجسم ، والبسيط ممثل الهيولى والصورة.

والأشياء المركبة تعرف حقيقتها إذا عرفت الأشياء التي هي مركبة منها ، مثال ذلك إذا قيل:

ما حقيقة الطين ، فقال: تراب وماء مختلطان.

وهكذا إذا قيل:

ما حقيقة السكنجبين ، فيقال: خل وعسل ممزوجان.

وعلى هذا القياس كل مركب إذا سئل عنه ، فيحتاج أن يذكر الأشياء التي هي مركب منها وموصوف بها ؛ والحكماء يسمون مثل هذا الوصف الحد ، ومن أجل هذا قالوا في حد الجسم إنه الشيء الطويل العريض العميق.

فقولهم:

الشيء ، إشارة إلة الهيول.

وقولهم:

الطويل والعريض والعميق ، إشارة إلى الصورة.

لأن حقيقة الجسم:

ليست بشيء غير هذه التي ذكرت في حده.

وهكذا قولهم في حد الإنسان إنه حي ناطق مائت.

فقولهم:

حي ناطق ، يعنون به النفس ، ومائت ، يعنون به الجسد ، لأن الإنسان هو جملة مجموعة منهما ، أعني جسداً جسمانياً ونفساً روحانية.

وعلى هذا القياس تعرف حقائق الأشياء المركبة من شيء.

وأما الأشياء التي ليست مركبة من شيء ، بل مخترعة مبدعة كما شاء باريها وخالقها تعالى ، فحقيقتها تعرف من الصفات المختصة بها.

مثال ذلك إذا قيل:

ما حقيقة الهيولى ؟

فيقال:

جوهر بسيط قابل للصورة ، لا كيفية فيه البتة.

وإذا قيل:

ما الصورة ؟

فيقال:

هي التي يكون الشيء بها ما هو.

فمثل هذا الوصف تسمية الحكماء الرسم.

والفرق بين الحد والرسم:

أن الحد مأخوذ من الأشياء التي المحدود مركب منها ، كما بينا ، والرسم مأخوذ من الصفات المختصة بالرسوم.

وفرق آخر أن الحد يخبرك عن جوهر الشيء المحدود ، ويميزه عما سواه ، والرسم يميز لك المرسوم عما سواه حسب.

فينبغي لك أيها الأخ البار الرحيم ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

إذا سئلت عن حقيقة شيء من الأشياء أن لا تستعجل بالجواب بل تنظر هل ذلك الشيء المسؤول عنه مركب أم بسيط حتى تجيب بحسب ذلك.

وأما كم هو:

فسؤال يبحث عن مقدار الشيء ، والأشياء ذوات المقادير نوعان ، متصل ومنفصل.

فالمتصل خمسة أنواع:

الخط والسطح والجسم والمكان والزمان.

والمنفصل نوعان:

العدد والحركة.

وهذه الأشياء كلها يقال فيها:

كم هو ، وقد بينا ماهية العدد في رسالة الأرثماطيقي ، وماهية الحركة والزمان والمكان والجسم في رسالة الهيولى ، وماهية الخط والسطح في راسلة الهندسة.

وأما كيف هو:

فسؤال يبحث عن صفة الشيء. والصفات كثيرة الأنواع.

وأما أي شيء هو:

فسؤال يبحث عن واحد من الجملة أو عن بعض من الكل.

مثال ذلك إذا قيل:

طلع الكوكب ، فيقال: أي كوكب هو ، لأن الكواكب كثيرة.

وأما إذا قيل طلعت الشمس ، فلا يقال: أي شمس هي ، إذ ليس من جنسها كثرة ، وكذلك القمر.

وأما أين هو:

فسؤال يبحث عن مكان الشيء أوعن رتبته.

والفرق بينهما:

أن المكان صفة لبعض الأجسام لا لكلها.

مثال ذلك إذا قيل:

أين زيد ، فيقال: في البيت أوفي المسجد أوفي السوق أوفي موضع آخر.

وأما المحل فهو صفة للعرض.

والعرض نوعان:

جسماني وروحاني ؛ فالأعراض الجسمانية حالة في الأجسام.

مثال ذلك إذا قيل:

أين السواد ، فيقال: حال في الجسم الأسود.

وهكذا الألوان كلها والطعوم والروائح حالة في الأجسام ذات الطعم واللون والرائحة ، وهكذا حكم جميع الأعراض الجسمانية.

وأما الأعراض الروحانية فحالة في الجواهر الروحانية.

مثال ذلك إذا قيل:

أين العلم ، فيقال:حال في نفس العالم ، وكذلك السخاء والشجاعة والعدل وما شاكلها من الصفات حالة في النفس ، وهكذا حكم أضدادها.

وقد ظن كثير من أهل العلم ممن ليست له خبرة بأمر النفس ، ولا معرفة بجوهرها ، أن هذه الأعراض حالة في الجسم ، كل واحد في محل مختص.

مثال ذلك:

ما قالوا إن العلم في القلب ، والشهوة في الكبد ، والعقل في الدماغ ، والشجاعة في المرارة ، والجبن في الطحال ، وعلى هذا القياس سائر الأعراض.

وأما الرتبة فهي من صفات الجواهر الروحانية.

مثال ذلك إذا قيل:

أين النفس ، فيقال: هي دون العقل وفوق الطبيعة.

وهكذا إذا قيل:

أين الخمسة من العدد ، فيقال: بعد الأربعة وقبل الستة.

وعلى هذا القياس حكم الجواهر الروحانية التي لا توصف بالمكان ولا بالمحل ، ولكن بالرتبة.

وأما متى هو:

فسؤال يبحث عن زمان مكزن الشيء.

والأزمان ثلاثة:

ماض مثال أمس ، ومستقبل مثل غد ، وحاضر مثل اليوم.

وهكذا حكم السنين والشهور والساعات.

وأما لم هو:

فسؤال يبحث عن علة الشيء المعلول.

وأعلم يا أخي بأن لكل معلول صناعي أربع علل:

إحداها ...

علة هيولانية.

والثانية ...

علة صورية.

والثالثة ...

علة فاعلية.

والرابعة ...

علة تمامية.

مثال ذلك الكرسي والباب والسرير:

فإن العلة الهيولانية فيها الخشب.

والعلة الصورية الشكل والتربيع.

والعلة الفاعلية النجار.

والعلة التمامية للكرسي القعود عليه ، وللسرير النوم عليه ، وللباب ليغلق على الدار.

وعلى هذا القياس كل معلول لا بد له من هذه الأربع العلل.

فإذا سئلت عن علة شيء ، فأعرف أولاً عن أيها تسأل ، حتى يكون الجواب بحسب ذلك.

وأما من هو:

فسؤال يبحث عن التعريف للشيء.

ويقول علماء النحو:

إن هذا السؤال لا يتوجه إلا إلى كل ذي عقل.

ويقول قوم آخرون:

إلى كل ذي علم وتمييز.

والجواب فيه أن يعرف السؤال بأحد ثلاثة أشياء:

أما أن ينسب إلى بلده.

أو ....

إلى أصله.

أو .....

إلى صناعته.

مثال ذلك إذا قيل:

من زيد ، فيقال: البصري ، ينسب إلى بلده ، والهاشمي إلى أصله ، والنجار إلى صناعته.

فهذه جملة مختصرة في كمية السؤالات وأجوبتها ، ومباحث العلوم والنظر في حقائق الأشياء ، شبه المدخل والمقدمات ، ليقرب من فهم المتعلمين النظر في المنطق الفلسفي ، وليوافقوا عليها قبل النظر في إياغوجي ، الذي هوالمدخل إلى المنطق الفلسفي.


( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 02-03-2010, 02:16 PM   #53
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





وإذ قد فرغنا من ذكر ماهية العلوم وأنواع السؤالات ، وما يقتضي كل واحد من الأجوبة ، فنريد أن نذكر أجناس العلوم ، وأنواع تلك الأجناس ، ليكون دليلاً لطالبي العلم إلى أغراضهم ، وليهتدوا إلى مطلوباتهم ، لأن رغبة النفوس في العلوم المختلفة وفنون الآداب ، كشهوات الأجسام للأطعمة المختلفة الطعم واللون والرائحة.

فأعلم يا أخي:

بأن العلوم التي يتعاطاها البشر ثلاثة أجناس ، فمنها الرياضية ، ومنها الشرعية الوضعية ، ومنها الفلسفية الحقيقية.

فالرياضية هي:

علم الآداب التي وضع أكثرها لطلب المعاش وصلاح أمر الحياة الدنيا.

وهي تسعة أنواع:

أولها .....

علم الكتاب والقراءة.

ومنها .....

علم اللغة والنحو.

ومنها ......

علم الحساب والمعاملات.

ومنها ......

علم الشعر والعروض.

ومنها .....

علم الزجر والفأل ، وما يشاكله.

ومنها .....

علم السحر والعزائم ، والكيمياء والحيل ، وما شاكلها.

ومنها .....

علم الحرف والصنائع.

ومنها .....

علم البيع والشراء والتجارات والحرث والنسل.

ومنها .....

علم السير والأخبار.

فأما أنواع العلوم الشرعية التي وضعت لطب النفوس وطلب الآخرة فهي ستة أنواع:

أولها .....

علم التنزيل.

وثانيها .....

علم التأويل.

والثالث .....

علم الروايات والأخبار.

والرابع .....

علم الفقه والسنن والأحكام.

والخامس .....

علم التذكار والمواعظ والزهد والتصوف.

والسادس .....

علم تأويل المنامات.

فعلماء التنزيل هم:

القراء والحفظة.

وعلماء التأويل هم:

الأئمة وخلفاء الأنبياء.

وعلماء الروايات هم:

أصحاب الحديث.

وعلماء الأحكام والسنن هم:

الفقهاء.

وعلماء التذكار والمواعظ هم:

العباد والزهاد والرهبان ومن شاكلهم.

وعلماء تأويل المنامات هم:

المعبرون.

وأما العلوم الفلسفية فهي:

أربعة أنواع.

منها الرياضيات ، ومنها المنطقيات ، ومنها الطبيعيات ، ومنها الإلهيات.

فالرياضيات أربعة أنواع:

أولها الارثماطيقي وهو:

معرفة ماهية العدد ، وكمية أنواعه ، وخواص تلك الأنواع ، وكيفية نشوئها من الواحد الذي قبل الاثنين ، وما يعرض فيها من المعاني إذا أضيف بعضها إلى بعض.

والثاني الجومطريا وهو:

الهندسة ، وهي معرفة ماهية المقادير ذوات الأبعاد ، وكمية أنواعها ، وخواص تلك الأنواع ، وما يعرض فيها من المعاني إذا أضيف بعضها إلى بعض ، وكيفية مبدئها من النقطة التي هي رأس الخط ، وهي في صناعة الهندسة كالواحد في صناعة العدد.

والثالث الأسطرنوميا وهي:

النجوم ، وهي معرفة كمية الأفلاك والكواكب والبروج ، وكمية أبعادها ومقادير أجرامها ، وكيفية تركيبها وسرعة حركاتها ، وكيفية دورانها ، وماهية طبائعها ، وكيفية دلائلها على الكائنات قبل كونها.

والرابع الموسيقى الذي هو:

علم التأليف ، وهو معرفة ماهية النسب ، وكيفية تأليف الأشياء المختلفة الجواهر ، المتباينة الصور ، المتضادة القوى ، المتنافرة الطبائع كيف تجمع ويؤلف بينها ، كيما لا تتنافر وتأتلف وتتحد وتصير شيئاً واحداً ، وتفعل فعلاً واحداً أوعدة أفعال.

والعلوم المنطقيات خمسة أنواع:

أولها أنولوطيقا وهي:

معرفة صناعة الشعر.

والثاني ريطوريقا وهي:

معرفة صناعة الخطب.

والثالث طوبيقا وهي:

معرفة صناعة الجدل.

والرابع بولوطيقا وهي:

معرفة صناعة البرهان.

والخامس سوفسطيقا وهي:

معرفة صناعة المغالطين في المناظرة والجدل.

وقد تكلم الحكماء الأولون والمتأخرون في هذه الصنائع والعلوم وصنفوا فيها كتباً كثيرة ، وهي موجودة في أيدي الناس.

وقد عمل أرسطاطاليس ثلاثة كتب أخر ، وجعلها مقدمات لكتاب البرهان:

اولها قاطيغورياس ، والثاني باريميناس ، والثالث أنولوطيقا الأ ولى.

وإنما جعل عنايته أكثرها بكتاب البرهان لأن البرهان:

ميزان الحكماء يعرفون به الصدق من الكذب في الأقوال ، والصواب من الخطأ في الآراء ، والحق من الباطل في الاعتقادات ، والخير من الشر في الأفعال ، كما يعرف جمهور الناس بالموازين والمكاييل والأذرع تقدير الأشياء الموزونة والمكيلة والمذروعة إذا اختلفوا في حزرها وتخمينها.

فهكذا العلماء العارفون بصناعة البرهان يعرفون بها حقائق الأشياء إذا اختلف فيها حزر العقول وتخمين الرأي ، كما يعرف الشعراء العروضيون استواء القوافي وانزحافها إذا اختلف فيه ، بصناعة العروض الذي هوميزان الشعر.

وقد عمل فرفوريوس الصوري كتاباً وسماه ايساغوجي:

وهو المدخل إلى صناعة المنطق الفلسفي، ولكن من أجل إنهم طولوا الخطب فيها ، ونقلها من لغة إلى لغة من لم يكن عارفاً بها وبمعانيها ، انغلق على الناظرين في هذه الكتب فهم معانيها وعسر على المتعلمين أخذها.

لكن نريد أن نذكر غرض ما في رسالة منها ها هنا ، ليكون من ينظر فيها قد عرف غرض كل صناعة من هذه قبل النظر فيها ، فنقول:

أما غرض ما في ايساغوجي فهو:

معرفة معاني الستة الألفاظ التي تستعملها الفلاسفة في أقاويلها.

وهو قولهم:

الشخص والنوع والجنس والفصل والخاصة والعرض.

وماهية كل واحد منها وكيفية اشتراكها ، وماهية رسومها التي تميز بعضها من بعض ، وكيفية دلالاتها على المعاني التي في أفكار النفوس.

وأما غرض قاطيغورياس فهو:

معرفة معاني العشرة ألفاظ التي كل واحد منها يقال له جنس الأجناس ، وإن واحداً منها جوهر ، وتسعة أعراض ، وماهية كل واحد منها وكمية أنواعها ، ورسم كل واحد منها المميز لها بعضها من بعض ، وكيفية دلالتها على جميع المعاني التي في أفكار النفوس.

وأما غرض ما في باريمنياس فهو:

معرفة تلك العشرة الألفاظ التي هي في قاطيغورياس ، وما تدل عليه من المعاني عند التركيب ، حتى تصير كلمات وقضايا ، ويكون منها الصدق والكذب.

وأما غرض ما في انولوطيقا الأولى فهو:

معرفة كيفية تركيب تلك الألفاظ مرة أخرى ، حتى يكون منها مقدمات ، وكمية أنواعها وكيف تستعمل حتى يكون منها شيء محسوس ، واقتران القضايا ونتائجها.

وأما غرض ما في انولوطيقا الثانية فهو:

معرفة كيفية استعمال القياس الحق والبرهان الصحيح الذي لا خطأ فيه ولا زلل.

وأما العلوم الطبيعية فهي سبعة أنواع:

أولها .....

علم المبادئ الجسمانية.

وهي معرفة خمسة أشياء:

الهيولى والصورة والزمان والمكان والحركة.

وما يعرض فيها من المعاني إذا أضيف بعضها إلى بعض.

والثاني .....

علم السماء والعالم.

وهو معرفة جواهر الأفلاك والكواكب وكميتها وكيفية تركيبها وعلة دورانها ، وهل تقبل الكون والفساد ، كما تقبل الأركان الأربعة التي هي دون فلك القمر أم لا ، وما علة حركات الكواكب واختلافها في السرعة والإبطاء ، وما علة حركة الأفلاك ، وما علة سكون الأرض في وسط الفلك في المركز ، وهل خارج العالم جسم آخر أم لا ، وهل في العالم موضع فارغ لا شيء فيه ، وما شاكل ذلك من المباحث.

والثالث .....

علم الكون والفساد.

وهو معرفة ماهية جواهر الأركان الأربعة التي هي النار والهواء والماء والأرض ، وكيف يستحيل بعضها إلى بعض بتأثيرات الأشخاص العالية ، ويكون منها الحوادث والكائنات من المعادن والنبات والحيوان ، وكيف تستحيل إليها راجعة عند الفساد.

والرابع .....

علم حوادث الجو.

وهو معرفة كيفية تغييرات الهواء بتأثيرات الكواكب ، بحركاتها ومطارح شعاعاتها على هذه الأركان ، وانفعالاتها منها ، وخاصة الهواء ، فإنه كثير التلون والتغير من النور والظلمة والحر والبرد وتصاريف الرياح والضباب والغيوم والأمطار والثلوج والبرد والبروق والرعود والشهب والصواعق وكواكب الأذناب وقوس قزح والزوابع والهالات وما شاكلها مما يحدث فوق رؤوسنا من التغييرات والحوادث.

والخامس .....

علم المعادن.

وهو معرفة الجواهر المعدنية التي تنعقد من البخارات المختقنة في باطن الأرض ، والعصارات المنعقدة في الأهوية ، وكهوف الجبال ، وقعور البحار ، من العقاقير والجواهر ، من الكباريت والزوابيق ؛ والشبوب ؛ والأملاح والنوشادر والذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص والأسرب ؛ والكحل والزرنيخ والبلور والياقوت والبازهرات ؛ وما شاكلها ، ومعرفة خواصها ومنافعها ومضارها.

والسادس .....

علم النبات.

وهو معرفة كل نبت يغرس أويبذر أوينبت على وجه الأرض ، أوفي رؤوس الجبال ، أوقعر المياه ، أوشطوط الأنهار ، من الأشجار والزروع والبقول والحشائش والعشب والكلاء ؛ ومعرفة كمية أنواعها ، وخواص تلك الأنواع ، ومواضع منابتها من البقاع ، وكيفية امتداد عروقها في الأرض ، وارتفاع فروعها وأصولها في الهواء ، وانبساطها على وجه الأرض وتفرق فروعها في الجهات ، وأشكال أغصانها من الطول والقصر ، والدقة والغلظ ، والاستقامة والاعوجاج ؛ وكيفية أشكال أوراقها من السعة والضيق ، واللين والخشونة ، وألوان أزهارها ، وأصباغ أنوارها ؛ وكيفية صور ثمارها وحبوبها ، وبذورها ، وصموغها ، وطعومها ، وروائحها ، وخواصها ، ومنافعها ومضارها ، واحداً واحداً.

والسابع .....

علم الحيوان.

وهو معرفة كل جسم يغتذي وينمي ويحس ويتحرك ، مما يمشي على وجه الأرض ، أويطير في الهواء ، أويسبح في الماء ، أويدب في التراب ، أويتحرك في جوف جسم آخر ، كالديدان في جوف الحيوان ، وفي لب النبات والثمر والحبوب وما شاكلها ؛ ومعرفة كمية أجناسها ، وأنواع الأجناس ، وخواص تلك الأنواع ؛ ومعرفة كيفية تكونها في الأرحام ، أوفي البيض ، أوفي العفونات ؛ ومعرفة كيفية تأليف أعضائها ، وتركيب أجسادها ، واختلاف صورها ، وائتلاف أزواجها وفنون أصواتها ، ومنافرة طباعها ، وتباين أخلاقها ، وتشاكل أفعالها ؛ ومعرفة أوقات هيجانها وسفادها ، واتخاذ أعشاشها ، ورفقها بتربية أولادها ، وتحننها على صغار نتاجها ، ومعرفتها بمنافعها ومضارها ، وأوطانها ، وأربابها وأعدائها ومعارفها ، وما شاكل ذلك.


فالنظر في هذه كلها ، والبحث عنها ينسب إلى العلوم الطبيعيات ، وكذلك علم الطب والبيطرة ، وسياسة الدواب والسباع والطيور والحرث والنسل ؛ وعلم الصنائع أجمع داخل في الطبيعيات.


( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 02-21-2010, 10:45 AM   #54
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




والعلوم الإلهية خمسة أنواع:

أولها .....

معرفة الباري - جل جلاله وعم نواله - وصفه وحدانيته.

وكيف هو علة الموجودات ، وخالق المخلوقات ، وفائض الجود ، ومعطي الوجود ، ومعدن الفضائل والخيرات ، وحافظ النظام ، ومبقي الدوام ، ومدبر الكل ؛ وعالم الغيب والشهادة لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وأول كل شيء ابتداء ، وآخر كل شيء انتهاء ، وظاهر كل شيء قدره ، وباطن كل شيء علماً ، وهو السميع العليم اللطيف الخبير الرؤوف بالعباد- عز شأنه - وجلت قدرته ، وتعالى جده ، وجل ثناؤه ، وإله غيره ، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

والثاني .....

علم الروحانيات.

وهومعرفة الجواهر البسيطة العقلية ، العلامة الفعالة ، التي هي ملائكة الله ، وخالص عباده ؛ وهي الصور المجردة من الهيولى ، المستعملة للأجسام المدبرة بها ، لها ومنها أفعالها ، ومعرفة كيفية ارتباط بعضها ببعض ، وفيض بعضها على بعض ، وهي أفلاك روحانية محيطات بالأفلاك الجسمانية.

والثالث .....

علم النفسانيات.

وهي معرفة النفوس والأرواح السارية في الأجسام الفلكية والطبيعية ، من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض ؛ ومعرفة كيفية إداراتها للأفلاك ، وتحريكها للكواكب ، وتربيتها للحيوان والنبات ، وحلولها في جثث الحيوانات ، وكيفية انبعاثها بعد الممات.

والرابع .....

علم السياسة.

وهي خمسة أنواع:

أولها ...

السياسة النبوية.

والثاني ...

السياسة الملوكية.

والثالث ...

السياسة العامية.

والرابع ...

السياسة الخاصية.

والخامس ...

السياسة الذاتية.

فأما السياسة النبوية فهي:

معرفة كيفية وضع النواميس المرضية والسنن الزكية بالأقاويل الفصيحة ، ومداواة النفوس المريضة من الديانات الفاسدة ، والآراء السخيفة ، والعادات الردية ، والفعال الجائرة.

ومعرفة مكيفية نقلها من تلك الأديان والعادات ، ومحو تلك الآراء عن ضمائرها بذكر عيوبها ونشر تزييفها ، ومداواتها من سقام تلك الآراء وتلك العادات بالحمية لها من العود إليها ، وشفائها بالرأي المرضي ، والعادات الجميلة ، والأعمال الزكية والأخلاق المحمودة ، بالمدح لها والترغيب في جزيل الثواب يوم المآب.

وكيفية سياسة النفوس الشريرة بصدودها عن قصد سبيل الرشاد ، وسلوكها في وعور طرق الغي والتمادي بالقمع لها والزجر والوعيد والتوبيخ والتهديد ، لترجع إلى سبيل النجاة ، وترغب في جزيل الثواب.

ومعرفة كيفية تنبيه الأنفس اللاهية ، والأرواح الساهية من طول الرقاد ، ونسيانها ذكر المعاد ، والإذكار لها عهد يوم الميثاق ، لئلا يقولوا: ما جاءنا من رسول ولا كتاب.

وهذه السياسة تختص بعامة الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم.

وأما السياسة الملوكية فهي:

معرفة حفظ الشريعة على الأمة ، وإحياء السنة في الملة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بإقامة الحدود ، وإنفاذ الأحكام التي رسمها صاحب الشريعة ، ورد المظالم ، وقمع الأعداء ، وكف الأشرار ، ونصرة الأخيار.

وهذه السياسة يختص بها خلفاء الأنبياء صلوات اله عليهم ، والأئمة المهديون الذين قضوا بالحق ، وبه كانوا يعدلون.

وأما السياسة العامية التي هي:

الرياسة على الجماعات ، كرياسة الأمراء على البلدان والمدن ، ورياسة الدهاقين على أهل القرى ، ورياسة قادة الجوش على العساكر ، وما شاكلها.

فهي:

معرفة طبقات المرؤوسين وحالاتهم وأنسابهم وصنائعهم ومذاهبهم وأخلاقهم ، وترتيب مراتبهم ، ومراعاة أمورهم ، وتفقد أسبابهم ، وتأليف شملهم ، والتناصف بينهم ، وجمع شتاتهم ، واستخدامهم في ما يصلحون له من الأمور ، واستعمالهم في ما يشاكلهم من صنائعهم وأعمالهم اللائقة بواحد واحد منهم.

وأما السياسة الخاصية فهي:

معرفة كل إنسان كيفية تدبير منزله وأمر معيشته ، ومراعاة أمر خدمه وغلمانه وأولاده ومماليكه وأقربائه ، وعشرته مع جيرانه ، وصحبته مع إخوانه ، وقضاء حقوقهم ، وتفقد أسبابهم ، والنظر في مصالحهم من أمور دنياهم وآخرتهم.

وأما السياسة الذاتية فهي:

معرفة كل إنسان نفسه وأخلاقه ، وتفقد أفعاله وأقاويله فيحال شهواته وغضبه ورضاه ، والنظر في جميع أموره.

والخامس .....

علم المعاد.

وهو معرفة ماهية النشأة الأخرى ، وكيفية ابنعاث الأرواح من ظلمة الأجساد ، وانتباه النفوس من طول الرقاد ، وحشرها يوم المعاد ، وقيامها على الصراط المستقيم ، وحشرها لحساب يوم الدين ، ومعرفة كيفية جزاء المحسنين وعقاب المسيئين.

وقد علمنا في كل فصل من هذه العلوم التي تقدم ذكرها رسالة:

وذكرنا فيها طرفاً من تلك المعاني ، وأتممناها بالجامعة ، ليكون تنبيهاً للغافلين ، وإرشاداً للمريدين ، وترغيباً للطالبين ، ومسلكاً للمتعلمين.

فكن به يا أخي سعيداً ، وأعرض هذه الرسالة على إخوانك واصدقائك ، ورغبهم في العلم ، وزهدهم في الدنيا ، ودلهم على طريق الآخرة ، فإنك بذلك تنال الزلفى من الله تعالى ، وتستوجب رضوانه ، وتفوز بسعادة الآخرة ، وتبلغ به المرتبة العليا كما دل عليه قول النبي - عليه السلام - الدال على الخير كفاعله.

وأعلم يا أخي بأن:

هذه الطريقة هي التي سلكها الأنبياء - صلوات الله عليهم - واتبعهم عليها الأخيار الفضلاء من العلماء والحكماء ، فاجتهد لعلك تحشر في زمرتهم.

كما وعد الله تعالى فقال:

( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً ، ذلك الفضل من الله ).

و .....

( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين ).

وفقك الله وإيانا أيها الأخ للسداد ، وهدانا وإياك سبيل الرشاد.



( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 02-22-2010, 09:41 AM   #55
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته





الرسالة الثامنة: العقليات والجواهر الروحانية.





الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، آلله خير أما يشركون ، وإذ قد فرغنا من ذكر الجواهر الجسمانية ، ووصفنا هيولاتها وصورها وتركيبها ، وما يعرض للمركب من الأغراض ، وبينا أيضاً كيفية إدراكها بطريق الحواس بتوسط أعراضها ، في رسائلنا " الطبيعيات " نريد أن نذكر في العقليات الجواهر الروحانية ، لأنه لما كانت الموجودات كلها معقولة أومحسوسة ، جواهر أوأعراضاً ، أومجموعاً منهما ؛ صوراً ، أوهيولى ، أومركباً منهما ؛ جسمانياً ، أوروحانياً ، أومقروناً بينهما ؛ وكانت الجواهر الجسمانية منفعلة كلها ، مدركة بطريق الحواس ؛ والجواهر الروحانية فاعلة ولا تدرك بطريق الحواس ، ولا تعرف إلا بالعقل وبما يصدر عنها من الأفعال العقلية ، والصنائع في الهيوليات ، وماهياتها وكمياتهها وكيفياتها ، وكيفية إظهار صناعاتها في الهيوليات الموضوعة لها ، ليكون أوضح في الدليل على إثبات الذوات الروحانية الفاعلة ، وأبين لمعرفة جواهرها ، وفنون حركاتها ، وعجائب قوتها ، وغرائب علومها ، وبدائع صنائعها ، واختلاف أفعالها.

فأعلم أيها الأخ البار الرحيم ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن الصنائع البشرية نوعان علمية وعملية ، وتقدم القول في العلمية فيما تقدم.

فنقول: أولاً ما العلوم ، العلوم هي صور المعلومات في نفس العالم.

وأعلم يا أخي بأن العلم:

لا يكون إلا بعد التعليم والتعلم ، والتعليم هو تنبيه النفس العلامة بالفعل للنفس العلامة بالقوة ، والتعلم هوتصور النفس لصورة المعلوم.

وأعلم يا أخي بأن النفس:

إنما تنال صور المعلومات من طرقات ثلاث:

إحداها .....

طريق الحواس.

والأخرى .....

طريق البرهان.

والأخيرة .....

طريق الفكر والروية.

وقد عملنا في كل واحدة منها رسالة ، فنريد أن نذكر الآن الصنائع العملية فنقول:

إن الصنعة العملية هي:

إخراج الصانع العالم الصورة التي في فكره ، ووضعها في الهيولى.

والمصنوع هو:

جملة مصنوعة من الهيولى والصورة جميعاً ، وابتداء ذلك من تأثير النفس الكلية فيها بقوة تأييد العقل الكلي بأمر الله جل ثناؤه.

وأعلم بأن المصنوعات أربعة أجناس:

بشرية وطبيعية ونفسانية وإلهية.

فالبشرية:

مثل ما يعمل الصناع من الأشكال والنقوش والأصباغ في الأجسام الطبيعية ، في أسواق المدن وغيرها من المواضع.

والمصنوعات الطبيعية هي:

صور هياكل الحيوانات ، وفنون أشكال النبات ، وألوان جواهر المعادن.

والمصنوعات النفسانية:

مثل نظام مراكز الأركان الأربعة التي هي تحت قلك القمر ، وهي النار والهواء والماء والأرض ، ومثل تركيب الأفلاك ، ونظام صورة العالم بالجملة.

والمصنوعات الإلهية هي:

الصور المجردة من الهيوليات المخترعات من مبدع المبدعات - تعالى - وجوداً من العدم ، ليس من ليس ، وشيء لا من شيء ، دفعة واحدة بلا زمان ، ولا مكان ولا هيولى ، ولا صورة ولا حركة ، لأنها كلها مبدعات الباري ومخترعاته ومصنوعاته.

فتبارك الله أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.

وأعلم يا أخي بأن:

كل صانع من البشر محتاج في تتميم صنعته إلى ستة أشياء مختلفة ، وهو السابع ؛ وإلى سبع حركات ، وإلى سبع جهات.

فأما الأشياء المختلفة فهي:

الهيولى والمكان والزمان والأداة والآلة والحركة ، والسابع النفس.

وكل صانع طبيعي فمحتاج إلى أربعة منها ، وهي:

الهيولى والمكان والزمان والحركة.

وكل صانع نفساني فمحتاج إلى اثنين منها ، وهما:

الهيولى والحركة حسب.

وكل صانع عقلي فمحتاج إلى صورة واحدة فقط ، وهو:

العقل الأول أثر من مبدع البدائع الحق ، لا من شيء إلى شيء.

وأما الباري - جل ثناؤه - فغير محتاج إلى شيء منها ، لأنها كلها مخترعاته ومبدعاته ، أعني الهيولى والصورة والمكان والزمان والحركة والآلة والأدوات كلها.

1- الصورة والهيولى والأداة.

وأعلم يا أخي أن:

الجسم الواحد يسمى تارة هيولى ، وتارة موضوعاً ، وتارة صورة ، وتارة مصنوعاً ، وتارة آلة ، وتارة أداة.

وإنما يسمى الجسم هيولى:

للصورة التي يقبلها وهي الأشكال والنقوش والأصباغ وما شاكلها.

ويسمى موضوعاً:

للصانع الذي يعمل منه وفيه صنعته من الأشكال والنقوش.

وإذا قبل ذلك سمي:

مصنوعاً.

وإذا استعمله الصانع في صنعته أوفي صنعة أخرى:

يسمى أداة.

مثال ذلك قطعة حديد:

فإنه يقال لها هيولى لكل صورة تقبلها.

و .....

يقال لها أيضاً إنها موضوع للحداد الذي يعمل فيها صنعته.

و .....

إذا صنع الحداد منه سكيناً أوفأساً أومنشاراً أومبرداً أوغير ذلك ، سمي مصنوعاً.

و .....

إذا استعمل السكين القصاب أو غيرة تسمى أداة.

وهكذا الفأس وغيرها.


وأعلم يا أخي أن:

موضوعات الصناع البشريين في صناعاتهم نوعان فقط:

بسيط ومركب.

فالبسيط أربعة أنواع ، وهي:

النار والهواء والماء والأرض.

والمركب ثلاثة أنواع ، وهي:

الأجسام المعدنية ، والأجسام النباتية ، والأجسام الحيوانية.

وهي كلها مصنوعات الطبيعة ، كما أن موضوعات الطبيعة كلها مصنوعات نفسانية ، وأن الموضوعات النفسانية كلها مصنوعات إلهية.

وأعلم أن كل صانع من البشر لا بد له من أداة أوأدوات أوآلة أوآلات يستعملها في صنعته.

والفرق بين الآلة والأداة:

أن الآلة هي اليد والأصابع والرجل والرأس والعين ، وبالجملة أعضاء الجسد ، وأن الأداة ما كانت خارجة من ذات الصانع كفأس النجار ، ومطرقة الحداد ، وإبرة الخياط ، وقلم الكاتب ، وشفرة الإسكاف ، وموس المزين ، وما شاكل هذه من الأدوات التي يستعملها الصناع في صنائعهم ، ولا تتم صناعاتهم إلا بها.

وأعلم بأن كل صانع له في صنعته أدوات مختلفة الأشكال والهيئات ، وهذا أحد أسبابه في اختلاف أفعاله ، وهو يظهر بكل واحد منها في صنعته ضروباً من الحركات ، وفنوناً من الأفعال.

مثال ذلك النجار:

فإنه بالفأس ينحت ، وحركته من فوق إلى أسفل ؛ وبالمنشار ينشر ، وحركته من قدام إلى خلف ؛ وبالمثقب يثقب ، وحركته قوسية يمنة ويسرة ، وحركة مثقبه دورية.

وعلى هذا القياس يوجد في كل صنعة لصانعها سبع حركات:

واحدة دورية وست مستقيمة.

وذلك بواجب الحكمة الإلهية ، لأنه لما كانت حركات الأجرام العلوية الفلكية سبعة أنواع ، واحدة دورية بالقصد الأول ، وست عرضية كما بينا في رسالة " السماء والعالم " صارت حركات الأشخاص التي تحت فلك القمر أيضاً مماثلة لها ، لأن تلك علل ، وهذه معللات ، ومن شأن المعلولات أن يوجد فيها علتها وتأثيراتها ، ومن أجل هذا قالت الحكماء إن الثواني من الأمور تحكي أوائلها ، كما يحكي الصبيان في لعبهم صناعة الآباء والأمهات والأستاذين.

وأعلم يا أخي بأنه:

لا بد لكل صانع من البشر من تحريك عضو من أعضائه في صناعته ، أو عدة أعضاء ، كاليد والرجل والظهر والكتف والركبة ؛ وبالجملة ما من عضو في الجسد إلا وللنفس بذلك العضو فعل أو عدة أفعال ، خلاف ما يكون بعضو آخر ، فإن أعضاء الجسد هي آلات للنفس ، وأدوات لها ، وقد بينا طرفاً من ذلك في تركيب الجسد، وفي رسالة الحاس والمحسوس ، وفي رسالة العقل والمعقول ، وفي رسالة الإنسان عالم صغير.


( وللرسائل بقية ..... )


downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 02-25-2010, 10:55 AM   #56
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






2- الصناع نوعان.

وأعلم يا أخي:

بأنه لا بد لكل صنعة من موضوع يعمل الصانع منه وفيه صنعته.

فالموضوع في صناعة البشريين نوعان:

روحاني وجسماني.

فالروحاني هو:

الموضوع في الصناعة العلمية.

والجسماني هو:

الموضوع في الصناعة العملية.

وهو نوعان:

بسيطة ومركبة.

فالبسيطة هي:

النار والهواء والماء والأرض.

والمركبة ثلاثة أنواع ، وهي:

الأجسام المعدنية ، والأجسام النباتية ، والأجسام الحيوانية.

فمن الصنائع ما هي الموضوع فيها الماء حسب:

كصناعة الملاحين والسقائين والروائين ؛ والشرابين والسباحين ومن شاكلهم.

ومنها ما هي الموضوع فيها التراب حسب:

كصناعة حفار الآباء والأنهار والقني والقبور والمعادن ، وكل من ينقل التراب ويقلع الحجارة.

ومنها ما هي الموضوع فيها النار حسب:

كصناعة النفاطين ؛ والوقادين والمشعلين.

ومنها ما هي الموضوع فيها الهواء حسب:

كصناعة الزمارين والبواقين والنفاخين جمع.

ومنها ما هي الموضوع فيها الماء والتراب حسب:

كصناعة الفخارين والغضارين ؛ والقدوريين وضرابي اللبن ؛ وكل من يبل التراب.

ومنها ما هي الموضوع فيها أحد الأجسام المعدنية:

كصناعة الحدادين والصفارين ؛ والرصاصين والزجاجيين والصواغين ومن شاكلهم.

ومنها ما هي الموضوع فيها أصول النبات من الأشجار والقضبان والأوراق:

كصناعة النجارين والخواصين ؛ والبوارين ؛ والحصريين والأقفاصيين ومن شاكلهم.

ومنها ما هي فيها لحاء النبات حسب:

كصناعة الكتانين ، ومن يعمل القنب والكاغد ؛ ومن شاكلهم.

ومنها ما هي الموضوع فيها ورق الأشجار والحشائش وزهر النبات ونزورها وعروقها وقشورها.

ومنها ما هي الموضوع فيها ثمر الأشجار وحب النبات:

كصناعة الدقاقين ؛ والرزازين ؛ والنوائيين ؛ والعصارين ؛ والبزارين والشيرجيين ؛ وكل من يخرج الأدهان من ثمر الشجر وحب النبات.

ومنها ما هي الموضوع فيها الحيوان:

كصناعة الصيادين ، ورعاة الغنم والبقر ، وساسة الدواب ، والبياطرة وأصحاب الطيور ومن شاكلهم.

ومنها ما هي الموضوع فيها أحد الأجسام الحيوانية من اللحم والعظم والجلد والشعر والصوف والقز:

كصناعة القصابين والشوائين والطباخين والدباغين والأساكفة والخرازين ؛ والسيوريين ؛ والدنانين ؛ والحذائين ومن شاكلهم.

ومن الصنائع ما هي الموضوع فيها مقادير الأجسام:

كصناعة الوزانين والكيالين والذراعين ومن شاكلهم.

ومن الصنائع ما هي الموضوع فيها قيمة الأشياء:

كصناعة الصيارفة والدلالين والمقومين ومن شاكلهم.

ومن الصنائع ما هي الموضوع فيها أجساد الناس:

كصناعة الطب والمزيين ومن شاكلهم.

ومن الصنائع ما هي الموضوع فيها نفوس الناس:

كصناعة المعلمين أجمع.

وهي نوعان:

عملية وعلمية.

3- الحاجة إلى الآلات والأدوات.

وأعلم يا أخي أن:

من الصناع من يحتاج في صنعته إلى استعمال عضومن جسده ، أوعضوين ، وأداة من خارج ، أو أدوات كثيرة ، كالحراث والبناء والدباغ والحائك وأمثالهم.

فإن كل واحد منهم يحتاج إلى:

أدوات من خارج ، وتحريك يديه ورجليه في صناعته.

ومن الصنائع:

ما لا يحتاج فيها إلى أدوات من خارج ، بل يكفيه عضو من جسده ، كالخطيب والشاعر والقاضي والقارئ ومن شاكلهم.

فإن كل واحد منهم يكفيه لسانه حسب ، وكذلك الناطور والديابان ؛ وأصحاب المراتب يكفيهم في صناعتهم العينان حسب.

ومنهم من يستعمل في صنعته عضوين:

كالحاكي والنائحة ، باليد واللسان.

ومنهم من يحتاج إلى استعمال جسده كله:

كالرقاص والسابح.

ومن الصناع من يحتاج في صنعته إلى:

المشي كالساعي والماسح.

ومنهم من يحتاج إلى القعود دائماً:

كالرفاء ؛ والنداف.

ومن الصناع من لا يحتاج في صناعته إلا إلى أداة واحدة:

كالبواق والزمار والدفاف.

ومنهم من يحتاج إلى أداتين:

كالخياط والكاتب ، فإن الخياط يكفيه في صنعته الإبرة والمقص ، والكاتب يكفيه القلم والدواة ، وأما استعمال الكاتب السكين فليس من صناعة الكتابة ، ولكن من صناعة النجارة.

ومن الصناع من يحتاج إلى القيام دائماً في صناعته:

كالحلاج ؛ ودقاق الأرز والذي يدير الدولاب برجليه.

وأعلم يا أخي بأن:

أكثر الصنائع لا بد من استعمال النار فيها.

وكل صانع استعمل النار في صناعته فلأحد أسباب ثلاثة:

إما في موضوعه .....

كالحدادين والصفارين والزجادين ، ومن يطبخ الجص ؛ والنورة ؛ وأمثالهم ، وغرضهم هو تليين الهيولى لقبول الصورة والأشكال ، وذلك أنه لما كانت موضوعاتهم أحجاراً صلبة لا تقبل الصورة والأشكال إلا بعد تليين بالنار ، فإذا لانت أمكن الصانع أن يصنع الصنعة التي في فكره ، فتصير الهيولى بعد قبولها تلك الصورة مصنوعة.

ومن الصناع من يستعمل النار في مصنوعه .....

كالجرارين ؛ والقدوريين والغضارين ، ومن يطبخ الآجر ، وغرضهم في ذلك تقييد الصورة في الهيولى ، وثباتها فيها لئلا تنسك منها الصورة بالعجلة ، لأن من شأن الهيولى دفع الصورة عن ذاتها ، ورجوعها إلى حالها الأول جوهراً بسيطاً لا تركيب فيه ، ولا كمية ولا كيفية.

ومن الصناع من يستعمل النار في موضوعه ومصنوعه .....

كالطباخين والشوائين والخبازين وأمصالهم ، وغرضهم تتميمها وتنضيجها ليتم الانتفاع بها.

4- مراتب الصناعات.

وأعلم يا أخي بأن:

من هذه الصنائع ما هي بالقصد الأول دعت الضرورة إليها ، ومنها ما هي تابعة لها وخادمة ، ومنها ما هي متممة لها ومكملة ، ومن الصنائع ما هي جمال وزينة.

فأما التي بالقصد الأول فثلاثة ، وهي:

الحراثة والحياكة والبناء.

وأما سائرها:

فتابعة وخادمة ومتممة.

وذلك:

أن الإنسان لما خلق رقيق الجلد عرياناً من الشعر والصوف والوبر والصدف والريش ، وما هو موجود لسائر الحيوان ، دعته الضرورة إلى اتخاذ اللباس بصناعة الحياكة ؛ ولما كانت الحياكة لا تتم إلا بصناعة الغزل ، وصناعة الغزل لا تتم إلا بصناعة الحلج ، فصارت هذه الثلاثة تابعة لها وخادمة.

وأيضاً:

لما كان اللباس لا يتم إلا بالحياكة حسب ، صارت الخياطة والقصارة ؛ والرفة والطرز متممة لها ومكملة.

وأيضاً:

لما خلق الإنسان محتاجاً إلى القوت والغذاء ، والقوت والغذاء لا يكونان إلا من حب النبات وثمر الشجر ، دعت الضرورة إلى صناعة الحراثة والغرس ؛ ولما كانت صناعة الحراثة والغرس محتاجة إلى إثارة الأرض وحفر الأنهار ، ولا يتم هذا إلا بالمساحي ؛ والفدن ؛ وما شاكلها ، والمساحي والفدن لا تكون إلا بصناعة النجارة والحدادة ، دعت الضرورة إلى اتخاذهما ؛ وصناعة الحديد محتاجة إلى صناعة المعدن وإلى صنائع أخرى ، فصارت كلها تابعة وخادمة لصناعة الحراثة والغرس.

ولما كان حب الزرع:

وثمر الشجر يحتاج إلى الدق والطحن ، دعت الضرورة إلى اتخاذ صناعة الطحن والعصر.

ولما كان الطحن لا يتم الغذاء به إلا بعد الخبز:

دعت الضرورة إلى صناعة الخبز والطبخ ، وكل واحد منهما محتاج إلى صناعة أخرى متممة له وخادمة.

وأيضاً:

لما كان الإنسان محتاجاً إلى ما يقيه من الحر والبرد ، والتحرز من السباع ، وتحصين القوت ، دعته الضرورة إلى صناعة البناء ، وصناعة البناء محتاجة أيضاً إلى صناعة النجارة والحدادة ، وكل واحدة منهما محتاجة إلى صناعة أخرى معينة أومتممة بعضها لبعض.

وأما صناعة الزينة والجمال فهي:

كصناعة الديباج والجرير وصناعة العطر وما شاكلها.

والصنائع كلها الحذق فيها هو:

تحصيل الصور في الهيولى وتتميمها وتكميلها ، لينال الانتفاع بها في الحياة الدنيا حسب.

وأعلم يا أخي:

أن الناس كلهم صناع وتجار أغنياء وفقراء.

فالصناع هم:

الذين يعملون بأبدانهم وأدواتهم في مصنوعاتهم الصور والنقوش والأصباغ والأشكال ، وغرضهم طلب العوض عن مصنوعاتهم ، لصلاح معيشة الحياة الدنيا.

والتجار هم:

الذين يتبايعون بالأخذ والإعطاء ، وغرضهم طلب الزيادة فيما يأخذونه على ما يعطون.

والأغنياء هم:

الذين يملكون هذه الأجسام المصنوعة الطبيعية والصناعية ، وغرضهم في جمعها وحفظها مخافة الفقر.

والفقراء هم:

المحتاجون إليها وطلبهم الغنى.

وأعلم أن:

الغرض في كون الناس أكثرهم فقراء ، وخوف الأغنياء من الفقر ، هو الحث لهم على الاجتهاد في اتخاذ الصنائع ، والثبوت فيها ، والتجارات ، والغرض فيها جميعاً هو إصلاح الحاجات ، وإيصالها إلى المحتاجين ؛ والغرض في ذلك متاع لهم إلى حين.

والغرض في تمتعهم إلى حين هو:

أن تتمم النفس بالمعارف الحقيقية والأخلاق الجميلة والآراء الصحيحة والأعمال الزكية.

والغرض في تتميم النفس:

التمكين لها من الصعود إلى ملكوت السماء.

والغرض في صعودها إلى ملكوت السماء هو:

النجاة من بحر الهيولى وأسر الطبيعة ، والخروج من هاوية عالم الكون والفساد إلى فسحة عالم الأرواح ، والمكث هناك فرحاً مسروراً ملتذاً مخلداً أبداً.


( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 03-05-2010, 10:29 AM   #57
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






وأعلم يا أخي أنا:

إنما ذكرنا هذه الصنائع والمهن ، ونسبنا هذه الرسالة إلى رسائل العقل والمعقول ، لأن هذه الصنائع يعملها الإنسان بعقله وتمييزه ورويته وفكريته التي كلها قوى روحانية عقلية.

وأيضاً:

إن كل عاقل إذا فكر في هذه الصنائع والأفعال التي تظهر على أيدي البشر ، فيعلم أن مع هذا الجسد جوهراً آخر هو مظهر هذه الأفعال المحكمة ، وهذه الصنائع المتقنة من هذا الجسد ، لأن الجسد قد يوجد بعد الممات برمته تاماً لم ينقص منه شيء ، وقد فقدت منه هذه كلها ، فيعلم أن معه جوهراً آخر فارقه ، فمن أجل ذلك فقدت هذه الفضائل كلها ، لأنه هو الذي يحرك هذا الجسد وينقله من موضع إلى موضع في الجهات الست ، وكان يحرك أيضاً بتوسطه أشياء خارجة من ذاته ، وكان أيضاً يحمل معه حملاً على ظهره وكتفه ، فلما فارقه احتاج هذا الجسد إلى أربعة نفر يحملونه على لوح مطروحاً عليه لا يطيق قياماً ولا قعوداً ولا حركة ، ولا يحس بوجوده ، ولا ما يفعل به من غسل ودفن.

وقد زعم كثير من أهل العلم:

ممن ليست له خبرة بأمر النفس ، ولا معرفة بجوهرها أن هذه الصنائع المحكمة والأفعال المتقنة التي تظهر على أيدي البشر ، الفاعل لها هو هذا الجسد المؤلف من اللحم والدم والشحم والعظام والعصب بأعراض تحله مثل الحياة والقدرة والعلم وما شاكلها ، ولم يعرفوا أن هذه الأعراض ليس حلولها في الجسم ، وإنما هي أعراض نفسانية تحل جوهر النفس ، وذلك أن الإنسان لما كان مجموعاً من جسم ميت ونفس حية ، وجدت هذه الأعراض في حال حياته ، وفقدت في حال مماته ، وليست الحياة شيئاً سوى استعمال النفس الجسد ، ولا الممات شيئاً سوى تركها استعماله ، كما إنه ليست اليقظة سوى استعمالها الحواس الخمس ، ولا النوم شيئاً سوى تركها استعمالها.

وأعلم يا أخي بأن الصنائع يتفاضل بعضها على بعض من عدة وجوه:

إحداها:

من جهة الهيولى التي هي الموضوع فيها.

ومنها:

من جهة مصنوعاتها.

ومنها:

من جهة الحاجة الضرورية الداعية إلى اتخاذها.

ومنها:

من جهة منفعة العموم.

ومنها:

من جهة الصناعة نفسها.

فأما التي شرفها من جهة الحاجة الضرورية إليها فهي ثلاث أجناس ، وهي:

الحياكة والحراثة والبناء كما ذكرنا قبل.

وأما التي شرفها من جهة الهيولى الموضوع فيها:

فمثل صناعة الصاغة والعطارين وما شاكلها.

وأما التي من جهة مصنوعاتها:

فمثل صناعة الذين يعملون آلات الرصد مثل الأسطرلاب وذوات الحلق والأكر الممثلة بصورة الأفلاك وما شاكلها ، فإن قطعة من الصفر قيمتها خمسة دراهم ، إذا عمل منها أسطرلاب يساوي مائة درهم ، فإن تلك القيمة ليست للهيولى ولكن لتلك الصورة التي جعلت فيها.

وأما الذهب والفضة اللذان هما الهيولى الموضوع في صناعة الصواغين أوالضرابين ، إذا ضرب منهما دراهم ودنانير أوصياغة ما ، فليس مبلغ تفاوت القيمة ما بين الموضوع والمصنوع مثل ما يبلغ في صناعة أسطرلاب وغيرهما.

وأما التي شرفها من جهة النفع:

منها للعموم فهي مثل صناعة الحمامين والسمادين ؛ والكناسين وغيرهم ، وذلك أن الحمام المنفعة منه للصغير والكبير والشريف والوضيع والمدني والغريب والقريب والبعيد كلهم بالسوية لا يتفاضلون في الانتفاع به.

وأما أكثر الصنائع:

فأهلها متفاوتون في منافعها كاختلافهم في الملبوسات والمأكولات والمشروبات والمسكونات وأمثالها من الأمتعة المصنوعة ، حال الغني فيها خلاف حال الفقير ، إلا الحمام المزين وأمثالهما.

وأما صناعة السمادين والزبالين:

فإن الضرر في تركها عظيم عام على أهل المدينة ، وذلك أن العطارين الذين الموضوع في صناعاتهم مضاد للموضوع في صناعة السمادين ، لو أنهم أغلقوا دكاكينهم وأسواقهم شهراً واحداً لم يلحق من ذلك من الضرر لأهل المدينة مثل ما يلحق من الضرر من ترك السمادين صناعاتهم أسبوعاً واحداً ، فإن المدينة تمتلئ من السماد والسرقن ؛ والجيف والقاذورات ، وما يتنغص عيش أهلها من أجله.

وأما التي شرفها من الصناعة نفسها فهي:

مثل صناعة المشعبذين ؛ والمصورين والموسيقيين وأمثالهم ، وذلك أن الشعبذة ليست شيئاً سوى سرعة الحركة وإخفاء الأسباب التي يعملها الصانع فيها ؛ حتى إنه مع ضحك السفهاء منها ، يتعجب العقلاء أيضاً من حذق صانعها.

وأما صناعة المصورين:

فليست شيئاً سوى محاكاتهم صور الموجودات المصنوعات الطبيعية أوالبشرية أوالنفسانية ، حتى إنه يبلغ من حذقهم فيها أن تصرف أبصار الناظرين إليها عن النظر إلى الموجودات أنفسها ، بالتعجب من حسنها ورونق منظرها ؛ ويبلغ أيضاً التفاوت بين صناعها تفاوتاً بعيداً ، فإنه يحكى أن رجلاً في بعض المواضع عمل صوراً وتماثيل مصورة بأصباغ صافية وألوان حسنة براقة ، وكان الناظرون إليها يتعجبون من حسنها ورونقها ، ولكن كان في الصنعة نقص حتى مر بها صانع فارة حاذق ، فتأملها فاستزرى بها وأخذ فحمة من الطريق ومثل بجانب تلك التصاوير صورة رجل زنجي كأنه يشير بيديه إلى الناظرين. فانصرفت أبصار الناظرين بعد ذلك عن النظر إلى تلك التصاوير والأصباغ ، بالنظر إليه والتعجب من عجيب صنعته وحسن إشارته وهيئة حركته.

وأما شرف صناعة الموسيقى فمن وجهين اثنين:

أحدهما من جهة الصناعة نفسها ، والآخر من جهة تأثيراتها في النفوس.

وأيضاً من جهة تفاوت ما بين صناعها ، وذلك أن الواحد منهم يضرب لحناً فيطرب بعض المستمعين ، وآخر يضرب لحنا فيطرب كل المستمعين.

وقد يحكى أن جماعة من أهل هذه الصناعة كانوا مجتمعين في دعوة رجل كبير رئيس ، إذ دخل عليهم إنسان رث الحال ، عليه ثياب النساك ، فرفعه صاحب المجلس عليهم كلهم ، فتبين الإنكار في وجوههم ، فأراد أن يبين فضله ، فسأله أن يسمعهم شيئاً من صنعته ، فأخرج خشبات وركبها تركيباً ، ومد عليها أوتاراً كانت معه ، وحركها تحريكاً ، فأضحك كل من كان في المجلس ، من اللذة والفرح ، ثم قلب وحرك تحريكاً آخر ، فأبكى كل من كان في المجلس ، من الحزن ورقة القلب ، ثم قلب وحرك تحريكاً ، فنوم كل من كان في المجلس ، وقام وخرج فلم يعرف له خبر.

وأعلم يا أخي بأن:

الحذق في كل صنعة هو التشبه بالصانع الحكيم الذي هوالباري جل ثناؤه ويقال أن الله تعالى يحب الصانع الفاره الحاذق.

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

" إن الله تعالى يحب الصانع المتقن في صنعته ".

ومن أجل هذا قيل في حد الفلسفة:

إنها التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسان.

وإنما أردنا بالتشبه التشبه في العلوم والصنائع وإفاضة الخير ، وذلك إن الباري جل ثناؤه أعلم العلماء وأحكم الحكاء وأصنع الصناع وأفضل الأخيار ؛ فكل من زاد في هذه الأشياء درجة ، ازداد من الله قربه.

كما ذكر الله سبحانه في وصف الملائكة الذين هم خالص عباده فقال:

( يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ، ويرجون رحمته ).

وأعلم يا أخي أن:

الوسيلة لا تكون إلا بعمل أوعلم أوعبادة ، لأن العباد لا يملكون شيئاً سوى سعيهم.

كما ذكر الله عز وجل فقال:

( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ، وأن سعيه سوف يرى ).

وأعلم أن:

قبول الصبيان تعلم الصنائع يختلف بحسب طباعهم المختلفة ؛ واختلاف طباعهم بحسب مواليدهم ، وقد شرحنا ذلك في رسالة تاثيرات النجوم في المواليد ، ولكن نريد أن نذكر ها هنا من ذلك طرفاً.

فأعلم أن من الناس من هو:

مطبوع على تعلم صناعة واحدة أو عدة صنائع بسهولة في قبولها ، حتى أن كثيراً من الناس من يتعلم صناعة بجودة قريحته ، إذا رأى أهل تلك الصناعة في أعمالهم بأدنى تأمل ، كأنه قد وقف عليها.

ومنهم من:

يحتاج إلى توقيف شديد وحث دائم وترغيب ، وربما لا يفلح فيها إذا لم يكن فيها موافقاً للطبيعة ، وما اوجبه له مولده.

ومن الناس من:

لا يتعلم الصناعة البتة ، ويكون فارغاً خلواً منها جميعاً.

والسبب في ذلك:

إن الصناعة لا تأتي للمولود إلا بدلالة كوكب متول لبرج العاشر من طالعه.

وذلك إنه إذا استولى عليه من أحد الكواكب الثلاثة واحد:

فلا بد من صنعة يتعلمها ، وهي المريخ والزهرة وعطارد ، وذلك إن كل صنعة فلا بد لها من حركة ونشاط وحذق ، فالحركة للمريخ ، والنشاط للزهرة ، والحذق لعطارد.

وأربعة منها إذا انفرد أحدها بالدلال:

فلا يعطي الصنعة ولكن يدل على ما يشاكله من الأعمال ، وهي الشمس وزحل والمشتري والقمر.

وذلك أن من استولى عليه في مولده ، على الدرجة العاشرة ، الشمس ، فهو:

لا يتعلم الصناعة لكبر نفسه مثل أولاد الملوك.

وأما من استولى عليه المشتري ، فهو:

لا يتعلم ولا يعمل لزهده وورعه ورضاه بقليل من أمور الدنيا ، وإقباله على طلب الآخرة ، مثل الأنبياء - عليهم السلام - ومن يقتدي بهم.

وأما من استولى عليه زحل ، فإنه:

لا يعمل ولا يتعلم لكسله وثقل طبيعته عن الحركة ، ويرضى بالذل والهوان في طلب معاشه كالمكدين والشؤال.

وأما من استولى عليه القمر ، فإنه:

لا يعمل من أجل مهانته ، واسترخاء طبيعته ، وقلة فهمه ، مثل النساء وأمثالهن من الرجال.

ومن أجل هذا كان اليونانيون الذين كانوا في قديم الزمان ، إذا أرادوا تسليم الصبي إلى صناعة من الصنائع ، اختاروا له يوماً من الأيام ، وأدخلوه إلى هيكل الصنائع وصور سائر الكواكب ، وقربوا قرباناً لصنم ذلك الكوكب الذي من مولده ، وإن لم يكونوا عرفوه من مولده عرضوا عليه الصنائع المصورة في ذلك الهيكل ، فإن رغب في واحدة منها بعد توقيفهم له على أحوال تلك الصنعة ، سلموه إليها.

وأعلم يا أخي بأن:

صناعة الآباء والأجداد أنجع في الأولاد من صناعة الغرباء ، وخاصة من دل مولده عليها ، ويكونون فيها أحذق وأنجب ، ومن أجل هذا أوجبوه في سياسة أردشير بن بابكان على أهل كل طبقة من الناس لزوم صناعة آبائهم وأجدادهم قطعاً ، وأن لا يتجاوزوها ، وزعموا أن ذلك فرض من اله - عز وجل - في كتاب زرادشت.

وأعلم بأن هذا كله:

صيانة للملك أن لا يرغب فيه من ليس من أهله ، لأنه إذا كثر الطالبون للملك ، كثر التنازع بينهم ، وإذا كثر التنازع ، كثر الشغب ، واضطربت الأمور ، وأنفسد النظام ؛ وفساد النظام يتبعه البوار والبطلان.

وأعلم بأن:

الغرض من الملك هو حفظ الناموس على أهله أن لا يندرس بتركهم القيام بموجباته ، لأن أكثر أهل الشرائع النبوية والفلسفية ، لولا خوف السلطان ، لتركوا الدخول تحت أحكام الناموس وحدوده وتأدية فرائضه ، وأتباع سنته ، واجتناب محارمه ، وأتباع اوامره ونواهيه.

وأعلم بأن:

الغرض من حفظ الناموس هو طلب صلاح الدين والدنيا جميعاً ، فمتى ترك القيام بواجباته ، انفسدا جميعاً ، وبطلب الحكمة ، ولكن السياسة الإلهية والعناية الربانية لا تتركهما بنفسدان ، لأنها هي العلة الموجبة لوجودهما وبقائهما ونظامهما وتمامهما وكمالهما ، وكل صورة في المصنوع فإنها أولاً تكون في فكر الصانع وعلمه.



( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 03-13-2010, 10:02 AM   #58
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

بأن موضوعات الصناع ومصنوعاتهم وآلاتهم وأدواتهم وأجسادهم كلها أجسام ، والجسم من حيث الجسمية ليس بمتحرك والفعال لا تكون إلا بالحركة ، فالمحرك للأجسام جوهر آخر ، وهو الذي نسميه نفساً.

والنفوس ، من حيث النفسية:

جوهر واحد ، كما أن الأجسام ، من حيث الجسمية ، جوهر واحد.

وإنما تختلف النفوس بحسب اختلاف قواها ؛ واختلاف قواها بحسب اختلاف أفعالها ومعارفها وأخلاقها ، كما أن اختلاف الأجسام بحسب اختلاف أشكالها ، واختلاف أشكالها بحسب اختلاف أعراضها.

وأعلم بأن:

نفس العالم نفس واحدة ، كما أن جسمه جسم واحد بجميع أفلاكه وكواكبه وأركانه ومولداته ، ولكن لما كانت لنفس العالم أفعال كلية بقوى كلية ، وأفعال جنسية بقوى جنسية ، وأفعال نوعية بقوى نوعية ، وأفعال شخصية بقوى شخصية ، وهي حركتها من المشرق إلى المغرب وبالعكس ، ومن الشمال إلى الجنوب وبالعكس ، ومن فوق إلى أسفل وبالعكس ، سميت هذه القوى بأفعالها نفوساً جنسية ونوعية وشخصية ، فتكثرت النفوس بحسب قواها المختلفة ، وتكثرت قواها بحسب أفعالها المفتنة ، كما تكثر جسم العالم بحسب اختلاف أشكاله ، وتكثرت أشكاله بحسب اختلاف أعراضه.

فأفعال نفس العالم الكلية هي:

إدارتها الأفلاك والكواكب من المشرق إلى المغرب بالقصد الأول ، وتسكينها مركزها الخاص بها ؛ وأفعالها الجنسية ما يختص بكل فلك وكل كوكب من الحركات الست العارضة.

وأعلم يا أخي بأن:

النفس جوهرة روحانية حية بذاتها ، فإذا قارنت جسماً من الأجسام صيرته حياً مثلها ، كما أن النار جوهرة جسمانية حارة بذاتها ، فإذا جاورت جسماً من الأجسام صيرته حاراً مثلها.

وأعلم بأن للنفس قوتين اثنتين:

إحداهما علامة ، والأخرى فعالة.

فهي بقوتها العلامة:

تنزع رسوم المعلومات من هيولاها ، وتصورها في ذاتها ، فتكون ذات جواهرها لتلك الرسوم كالهيولى ، وهي فيها كالصورة.

وبقوتها الفعالة:

تخرج الصور التي في فكرها ، وتنقشها في الهيولى الجسماني ، فيكون الجسم عند ذلك مصنوعاً لها.

وكل متعلم علماً:

فإن صورة المعلوم في نفسه بالقوة ، فإذا تعلمها صارت فيها بالفعل ؛ وهكذا كل متعلم صنعة فإن صور المصنوعات في نفسه بالقوة ، فإذا تعلمها صارت فيها بالفعل.

والتعلم ليس شيئاً سوى الطريق من القوة إلى الفعل ، والتعليم ليس شيئاً سوى الدلالة على الطريق ، والأستاذون هم الأدلاء وتعليمهم هو الدلالة ، والتعلم هوالطريق ، والمعلوم هو المطلوب المدلول عليه ؛ فنفوس الصبيان علامة بالقوة ، ونفوس الأستاذين علامة بالفعل ، وكل نفس علامة بالقوة لا بد لها من نفس علامة بالفعل تخرجها من القوة إلى الفعل.

وأعلم يا أخي بأن:

كل صانع من البشر لا بد له من أستاذ يتعلم منه صنعته أوعلمه ، وذلك الأستاذ من أستاذ له قبل وهكذا حتى ينتهي إلى واحد ليس علمه من أحد من البشر ، فيكون عند ذلك أحد الأمرين ، إما أن نقول إنه استخرجه بقوة نفسه وفكره ورويته واجتهاده ، كما يزعم المتفلسفون ، وإما أن نقول إنه أخذه عن موقف له ليس من البشر ، كما يقول الأنبياء صلوات الله عليهم.

وأعلم يا أخي علماً يقيناً أنه:

ليس من البشر أحد يحيط بعلم من العلوم ، لا الأنبياء ولا الفلاسفة ، ولا غيرهم ، إلا بما شاء الذي وسع كرسيه السموات والأرض ، ولا يؤوده حفظهما وهوالعلي العظيم ، وذلك أن الذين زعموا أنهم استخرجوا العلوم والصنائع بقوة عقولهم وجودة فكرهم ورويتهم ، لولا أنهم رأوا وشاهدوا مصنوعات الطبيعة ، فاعتبروها وقاسوا عليها ، وكان ذلك لهم كالتعليم من الطبيعة ، لما اهتدوا إلى شيء منها.

والطبيعة أيضاً لولا أنها مؤيدة بالنفس الكلية ، والنفس الكلية لولا إنها مؤيدة بالعقل الكلي الذي هو أول الموجودات من الباري سبحانه ، والباري - سبحانه - هو المؤيد للكل كيف شاء ، الذي هوصانع الأسباب ، والمؤيد للب ذوي الألباب.

وإذ قد فرغنا من ذكر الصنائع البشرية وموضوعاتها وأغراضها وشرفها ومنافعها ، فقد بينا أن خير صناعة تبلغ إليها طاقة البشر وضع الناموس الإلهي ، فاجتهد يا أخي في معرفة أسراره ، لعل نفسك تنتبه من نوم الغفلة ، ورقدة الجهالة ، وتحيا بروح المعارف العقلية ، فتعيش بعيش العلماء الربانيين ، وتنال نعيم عالم الروحانيين في جوار الملائكة المقربين مخلداً أبد الآبدين.

فإن لم يستو لك ذلك فكن خادماً في الناموس بحفظ أحكامه والقيام بحدوده ، فلعلك تنجو بشفاعة أهله من بحر الهيولى ، وأسر الطبيعة وهاوية عالم الجسام بالكون والفساد ذوي الآلام.

وفقك الله وإبانا - أيها الأخ - للرشاد وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد ، إنه كريم جواد ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله وآله.


( وللرسائل بقية ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 04-11-2010, 02:13 PM   #59
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته







الرسالة التاسعة: الأخلاق وأسباب اختلافها وأنواع عللها.







الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، آلله خير أم يشركون ، وإذ قد فرغنا من ذكر الجواهر الجسمانية ، ووصفنا هيولاتها وصورها وتركيبها.

وإذ فرغنا من ذكر تصاريف الأحوال بالإنسان في الرحم من يوم مسقط النطفة إلى يوم ولادة الجسد ، وبينا كيف ينضاف إلى خلقة الجنين قوى روحانيات الكواكب ، وكيف تنطبع في جبلته الأخلاق المختلفة المركوزة في الطبيعة تسعة أشهر شهراً بعد شهر ، الذي هو المكث الطبيعي إلى يوم ولادة الطفل ، واستئناف الإنسان العمر في الحياة الدنيا مائة وعشرين سنة ، فنريد أن نذكر في هذه الرسالة ما ينضاف إلى تلك الطباع المركوزة في الأخلاق المكتسبة بعد الولادة بالعادات الجارية ، والأسباب الداعية المولدة لها ، إما زائدة عليها أوناقصة عنها في تصاريف أيام الحياة الدنيا إلى يوم الممات الذي هومفارقة النفس الجسد ، وولادتها الثانية التي هي النشأة الأخرى.

كما ذكر الله - جل ثناؤه - بقوله:

( ولقد علمتم النشأة الأولى ، فلولا تذكرون ).

يعني النشأة الآخرة.

وقال تعالى:

( وننشئكم فيما لا تعلمون ).

وقال الله عز وجل:

( ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ، إن الله على كل شيء قدير ).

1- في قابلية الإنسان جميع الأخلاق.

أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه ، بأن الله جل ثناؤه:

لما أراد أن يجعل في الأرض خليفة له من البشر ليكون العالم السفلي الذي هو دون فلك القمر عامراً بكون الناس فيه ، مملوءاً من المصنوعات العجيبة على أيديهم ، محفوظاً على النظام والترتيب بالسياسات الناموسية والملكوتية والفلسفية والعامية والخاصية جميعاً ، ليكون العالم باقياً على أتم حالاته وأكمل غاياته ، كما ذكر في السفر الرابع من صحف هرمس وهو إدريس النبي عليه السلام ، فبدأ أولاً ربنا تعالى فبنى لخليفته هيكلاً من التراب عجيب البنية ، ظريف الخلقة ، مختلف الأعضاء ، كثير القوى ، ثم ركبها وصورها في أحسن صورة من سائر الحيوانات ، ليكون بها مفضلاً عليها ، مالكاً لها ، متصرفاً فيها كيف يشاء ؛ ثم نفخ فيه من روحه ، فقرن ذلك الجسد الترابي بنفس روحانية من أفضل النفوس الحيوانية وأشرفها ، ليكون بها متحركاً حساساً دراكاً علاماً فاعلاً ما يشاء ؛ ثم أيد نفسه بقوى روحانية سائر الكواكب في الفلك ، ليكون متهيئاً له بها ، وممكناً له قبول جميع سائر الأخلاق ، وتعلم جميع العلوم والآداب والرياضيات والمعارف والسياسات ، كما مكنه وهيأ له بأعضاء بدنه المختلفة الأشكال والهيئات تعاطي جميع الصنائع البشرية ، والأفعال الإنسانية ، والأعمال الملكية.

وذلك أنه:

قد جمع في بنية هيكله جميع أخلاط الأركان الأربعة ، وكل المزاجات التسعة في غاية الاعتدال ، ليكون بها متهيئاً وقابلاً لجميع أخلاق الحيوانات ، وخواص طباعها ؛ كل ذلك كيما يسهل عليه ويتهيأ له إظهار جميع الأفعال ، والصنائع العجيبة ، والأعمال المتقنة المختلفة ، والسياسات المحكمة ، إذ كان إظهارها كلها بعضو واحد وأداة واحدة وخلق واحد ومزاج واحد يتعذر على الإنسان.

والغرض من هذه كلها هو:

أن يتمكن للإنسان ويتهيأ له التشبه بإلهه وباريه الذي هو خليفته في أرضه ، وعامر عالمه ، ومالك ما فيه ، وسائس حيوانها ؛ ومربي نباتها ، ومستخرج معادنها ، ومتحكم ومتسلط على ما فيها ، ليدبرها تدبيرات سياسية ، ويسوسها سياسة ربوبية ، كما رسم له الوصايا الناموسية والرياضات الفلسفية ؛ كل ذلك كيما تصير نفسه بهذه العناية والسياسة والتدبير ملكاً من الملائكة المقربين ، فينال بذلك الخلود في النعيم إبد الآبدين ودهر الداهرين.

كما ذكر في بعض كتب أنبياء بني إسرائيل ، قال الله تعالى:

" يا بن آدم خلقتك للأبد ، وأنا حي لا أموت ؛ أطعني فيما أمرتك به ، وأنته عما نهيتك عنه ، أجعلك حياً لا تموت أبداً ، يا بن آدم أنا قادر على أن أقول للشيء كن فيكون ؛ أطعني فيما أمرتك به ، وأنته عما نهيتك عنه، أجعلك قادراً على أن تقول للشيء كن فيكون ".

وإذ قد تبين بما ذكرنا ما الغرض وما المراد من وجود الأخلاق المختلفة في جبلة الإنسان وطبيعته ، فنريد أن نذكر العلل والأسباب التي بها ومن أجلها تختلف أخلاق البشر وسجاياهم:

1- كم هي.

2- ما هي.

3- كيف هي.

4- إذ قد تبين ، فيما تقدم ، لم هي.

أ- وجوه اختلاف الأخلاق.

أعلم يا أخي أن أخلاق الناس وطبائعهم تختلف من أربعة وجوه:

أحدها .....

من جهة أخلاط أجسادهم ومزاج أخلاطها.

والثاني .....

من جهة تربة بلدانهم واختلاف أهويتها.

والثالث .....

من جهة نشوئهم على ديانات آبائهم ومعلميهم وأستاذيهم ومن يربيهم ويؤدبهم.

والرابع .....

من جهة موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم ، ومساقط نطفهم ، وهي الأصل وباقيها فروع عليه.

ونحتاج إلى شرح هذا الباب ليتبين صدق ما قلنا ، وحقيقة ما وصفنا ، ونبدأ أولاً بذكر العلل والأسباب التي تكون من جهة أخلاط الجسد وتغيرات أمزجتها من الاعتدال والزيادة والنقصان ، وما يتبعها من الخلاق والسجايا المختلفة المتضادة.

ب- اختلاف الأخلاق من جهة الخلاط.

أعلم يا أخي بأن المحروري الطباع من الناس وخاصة مزاج القلب:

يكونون على الأمر الأكثر شجعان القلوب ، أسخياء النفوس ، متهورين في الأمور المخوفة ، قليلي الثبات والتأني في الأمور ، مستعجلي الحركة ، شديدي الغضب ، سريعي المراجعة ، قليلي الحقد ، أذكياء النفوس ، حادي الخواطر ، جيدي التصور.

والمبرودين في الأمر الأكثر:

يكونون بليدي الذهن في أكثر الطباع ، ثقيلي الأرواح ، غير نضيجي الأخلاق.

والمرطوبين يكونون في أكثر الأمر:

ذوي طباع بليدة وقلة ثبات في الأمور ، ليني الجانب ، سمحاء النفوس ، طيبي الأخلاق ، سهلي القبول ، سريعي النسيان ، مع كثرة تهور في الأمور الطبيعية.

واليابسي المزاج يكونون في أكثر الأمور:

صابرين في الأعمال ، ثابتي الرأي ، عسري القبول ، الغالب عليهم الصبر والحقد والبخل والإمساك والحفظ.


ج- في خلق آدم - عليه السلام - كما وجد في بعض كتب بني إسرائيل.

وجد في بعض كتب أنبياء بني إسرائيل من صفة خلقة آدم وتكوين جسده ، أن الله - عز وجل - حين ابتدعه واخترعه قال:

" أني خلقت آدم وركبت بدنه من أربعة أشياء ، ثم جعلتها وراثة في ولده وذريته تنشأ في أجسادهم ، وينمون عليها إلى يوم القيامة: ركبت جسده من رطب ويابس ، وحار وبارد ، وذلك أني خلقته من تراب وماء ، ثم نفخت فيه نفساً وروحاً ، فيبوسة جسده من قبل التراب ، ورطوبته من قبل الماء ، وحرارته من النفس ، وبرودته من الروح. ثم جعلت في الجسد بعد هذا أربعة انواع أخر ، هن ملاك أمور الجسد ، لا يقوم الجسد إلا بهن ، ولا تقوم واحدة منهن إلا بالأخرى ، فمنهن المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم ، والبلغم ، ثم أسكنت بعضها في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، والحرارة في المرة الصفراء ، والرطوبة في الدم ، والبرودة في البلغم.

فأيما جسد اعتدلت فيه ههذه الأربعة الأخلاط التي جعلتها ملاكه وقوامه ، وكانت كل واحدة منهن ربعاً لا تزيد ولا تنقص ، كملت صحته واعتدلت بنيته ؛ وإن زادت واحدة منهن على إخوانها وقهرتهن ومالت بهن ، دخل السقم على الجسد من ناحيتها ، بقدر ما زادت ؛ وإذا كانت ناقصة ضعفت طاقتها عن مقاومتها فغلبنها ودخل السقم على الجسد من نواحيهن بقدر قلتها عنهن وضعف طاقتها عن مقاومتهن ".

" ثم علمته الطب وكيفية الدواء ، وكيف يزيد في الناقص ، أوينقص في الزائد ، حتى يعتدل ويستقيم أمر الجسد ؛ فالطبيب الماهر العالم بالداء والدواء هو الذي يعرف من أين دخل السقم على الجسد من الزيادة والنقان ، ويعلم الدواء الذي يعالج به ، فيزيد في ناقصها ، وينقص من زائدها ، حتى يستقيم أمر الجسد على فطرته ، ويعتدل الشيء بأقرانه ".

" ثم صيرت هذه الأخلاط التي ركبت عليها الجسد فطراً وأصولاً عليها تبنى أخلاق بني آدم ، وبها توصف ، فمن التراب العزم ، ومن الماء اللين ، ومن الحرارة الحدة ، ومن البرودة الأناة. فإن مالت به اليبوسة وأفرطت ، كانت عزمته قساوة وفظاظة ؛ وإن مالت به الرطوبة ، كان لينه توانياً ومهانة ؛ وإن مالت به الحرارة ، كانت حدته طيشاً وسفاهة ؛ وإن مالت به البرودة ، كانت أناته ريثاً وبلادة ؛ وإن اعتدلت وكن سواءً ، اعتدلت أخلاقه واستقام أمره ، وكان عازماً في أناته ، ليناً في عزمه ، هادئاً في لينه ، متأنياً في حدته ، لا يغلبه خلق من أخلاقه ، ولا تميل به طبيعة من أخلاطه عن المقدار المعتدل ، من أيها شاء استكثر ، ومن أيها شاء قلل ، وكيف شاء عدل ".

" ثم نفخت فيه من روحي وقرنت بجدسه نفساً وروحاً: فبالنفس يسمع ابن آدم ويبصر ويشم ويذوق ويلمس ويحس ويأكل ويشرب وينام ويقعد ويضحك ويبكي ويفرح ويحزن ؛ وبالروح يعقل ويفهم ويدري ويتعلم ويستحي ويحلم ويحذر ويتقدم ويمنع ويتكرم ويقف ويهجم ؛ فمن النفس تكون حدته وخفته وشهوته ولعبه ولهوه وضحكه وسفهه وخداعه ومكره وعنفه وخرقه ؛ ومن الروح يكون حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وبهاؤه وفهمه وتكرمه وحذقه وصدقه ورفقه وصبره ، فإذا خاف ذو اللب أن يغلب عليه خلق من أخلاق النفس ، قابله بضده من أخلاق الروح ، وألزمه إياه فيعدله به ويقومه ، فيقابل الحدة بالحلم ، والخفة بالوقار ، والشهوة بالعفاف ، واللعب بالحياء ، واللهو بالبهاء ، والضحك بالهم ، والسفه بالكرم ، والخداع بالشجاعة ، والكذب بالصدق ، والعنف بالرفق ، والنزق بالصير ، والخرق بالأناة ، إذ كل مرض يعالج بضده. ومن التراب تكون قساوته وبخله وفظاظته وشحه ويأسه وقنوطه وعزمه وإصراره ؛ ومن الماء يكون لينه وسهولته واسترساله ومعروفه وتكرمه وسماحته وقوته وقربه وقبوله ورجاؤه واستبشاره. فإذا خاف ذو اللب أن يغلب عليه خلق من أخلاقه الترابية ، قابله بضده من الأخلاق المائية ، وألزمه إياه ليعدله ويقومه ، فيقابل القسوة باللين ، والبخل بالعطاء ، والفظاظة بالبشر ، والشح بالكرم ، واليأس بالرجاء ، والقنوط بالاستبشار ، والعزم بالقبول ، والإصرار بالعدل ".

وأعلم يا أخي بأن:

لكل خلق من الأخلاق أخوات مشاكلات ، ولهن أضداد مخالفات ، ولهن كلهن أفعال متباينات متضادات تحتاج إلى شرح لتبين وتعرف ، لأن هذا الباب من العلوم الشريفة والمعارف اللطيفة ، إذ كان من هذا الفن تعرف أخلاق الكرام من بني آدم ، وأخلاق الملائكة الذين هم سكان الجنان ، كما ذكر الله تعالى فقال:

( كراماً كاتبين ).

و ......

( كرام بررة ).

ومن هذا الباب تعرف أيضاً أخلاق الشياطين الذين هم أهل النيران كما ذكر الله تعالى بقوله:

( كلما دخلت أمة لعنت أختها. وقالوا: لا مرحباً بهم ، إنهم صالوالنار ).

وإذ قد تبين بما ذكرنا طرف من الأسباب المؤدية إلى اختلاف أخلاق الإنسان من جهة مزاج أخلاط جسده ، فنريد أيضاً أن نذكر طرفاً من الأسباب التي تكون من جهة اختلاف تربة البلاد ، وتغييرات أهويتها المؤدية إلى اختلاف الأخلاق.


( ينبع ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 

 
قديم 04-20-2010, 01:39 PM   #60
downtown
Moderator
 

افتراضي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته






وأعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه بأن:

ترب البلاد والمدن والقرى تختلف ، وأهويتها تتغير من جهات عدة ، فمنها كونها في ناحية الجنوب ، أو الشمال ، أو الشرق ، أو الغرب ، أو على رؤوس الجبال ، أو في بطون الأودية والأغوار ، أو على سواحل البحار ، أو شطوط الأنهار ، أو في البراري والقفار ، أو في الآجام والدحال ؛ والأرض ذات الرملة والأرضين السباخ ؛ السهلة ، أو في البقاع الصخرية والحجارة والحصى والرمال ، أو في الأرضين السهلة والتربة اللينة بين الأنهار والأشجار والزروع والبساتين والزهر والنور.

وأيضاً فإن:

أهوية البلاد والبقاع تختلف بحسب اختلاف تصاريف الرياح الأربع ونكباواتها ؛ وبحسب مطالع البروج عليها ، ومطارح شعاعات الكواكب عليها من أفاقها ، وهذه كلها تؤدي إلى اختلاف أمزجة الأخلاط ؛ واختلاف أمزجة الأخلاط يؤدي إلى اختلاف أخلاق أهلها وطباعهم وألوانهم ولغتهم وعاداتهم وآرائهم ومذاهبهم وأعمالهم وصنائعهم وتدابيرهم وسياساتهم ، لا يشبه بعضها بعضاً ، بل تنفرد كل أمة منها بأشياء من هذه التي تقدم ذكرها لا يشاركها فيها غيرها.

مثال ذلك .....

أن الذين يولدون في البلاد الحارة ويتربون هناك ، وينشأون على ذلك الهواء ، فإن الغالب على باطن أمزجة أبدانهم البرودة.

وهكذا أيضاً:

الذين يولدون في البلدان الباردة ، ويتربون هناك ، وينشأون على ذلك الهواء ، يكون الغالب على باطن أمزجة أبدانهم الحرارة ، لأن الحرارة والبرودة هما ضدان لا يجتمعان في حال واحدة ، في موضع واحد ، ولكن إذا ظهر أحدهما ، استبطن الآخر واستجن ؛ ليكونا موجودين في دائم الأوقات ، إذ كانت المكونات لا وجود لها ولا قوام إلا بهما.

والدليل على ما قلنا:

أن مزاج أبدان أهل البلدان الجنوبية من الحبشة والزنج والنزبة وأهل السند وأهل الهند ، فإنه لما كان الغالب على أهوية بلادهم الحرارة بمرور الشمس على سمت تلك البلاد في السنة مرتين ، سخنت أهويتها ، فحمي الجو ، فاحترقت ظواهر أبدانهم ، واسودت جلودهم ، وتجعدت شعورهم لذلك السبب ، وبردت بواطن أبدانهم ، وأبيضت عظامهم وأسنانهم ، واتسعت عيونهم ومناخرهم وأفواههم بذلك السبب.

وبالعكس في هذا:

حال أهل البلدان الشمالية ، وعلتها أن الشمس لما بعدت من سمت تلك البلاد ، وصارت لا تمر عليها لا شتاءً وصيفاً ، غلب على أهويتها البرد ، وأبيضت لذلك جلودهم ، وترطبت أبدانهم ، واحمرت عظامهم واسنانهم ، وكثرت الشجاعة والفروسة فيهم ، وسبطت شعورهم ، وضاقت عيونهم ، واستجنت الحرارة في بواطن أبدانهم لذلك السبب.

وعلى هذا القياس توجد صفات أهل البلدان المتضادة بالطباع والأهوية ، يكونون مختلفين في الطباع والأخلاق في أكثر الأمر وأعم الحالات.

وإذ قد تبين ذكرنا طرف من تغير أخلاق الناس من جهة اختلاف ترب البلاد ، وتغير أهويتها ، فنريد أن نذكر طرفاً من أسباب موجبات أحكام النجوم فنقول:

إن الذين يولدون بالبروج النارية:

في الأوقات التي يكون المستولي عليها الكواكب النارية مثل المريخ وقلب الأسد وما شاكلهما من الكواكب ، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم الحرارة وقوة الصفراء.

والذين يولدون بالبروج المائية:

في الأوقات التي يكون المستولي عليها الكواكب المائية مثل الزهرة والشعرى اليمانية ، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم يكون الرطوبة والبلغم.

وهكذا الذين يولدون بالبروج الترابية:

في الأوقات التي يكون المستولي عليها زحل وما شاكله من الكواكب الثابتة ، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم اليبوسة والمرة السوداء.

وهكذا الذين يولدون بالبروج الهوائية:

في الوقات التي يكون المستولي عليها المشتري وما شاكله من الكواكب الثابتة ، فإن الغالب على أمزجة أبدانهم الدم والاعتدال ، يعرف حقيقة ما قلنا وصحة ما وصفنا أهل الصناعات والتجارب.

وإذ قد تبين بما قلنا وذكرنا ما الأسباب والعلل الموجبة لوجود الأخلاق المركوزة في الجبلة ، فنريد أن نبين ما الأخلاق المركوزة في الجبلة ، وما المكتسبة بالعادة الجارية منها ، وما الغرض في ذلك ، وما الفرق بينهما ، يعني الأخلاق المكتسبة والمركوزة.

أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه:

أن الأخلاق المركوزة في الجبلة هي تهيؤ ما في كل عضو من أعضاء الجسد يسهل به على النفس إظهار فعل من الأفعال ، أو عمل من الأعمال ، أو صناعة من الصنائع ، أو تعلم علم من العلوم ، أو أدب من الآداب ، أو سياسة من غير فكر ولا روية.

مثال ذلك .....

أنه متى كان الإنسان مطوعاً على الشجاعة فإنه يسهل عليه الإقدام على الأمور المخوفة من غير فكر ولا روية.

وهكذا:

متى كان مطبوعاً على السخاء يسهل عليه بذل العطية من غير فكر ولا روية.

وهكذا:

متى كان الإنسان مطبوعاً على العفة ، سهل عليه اجتناب المحظورات المحرمات من غير فكر ولا روية.

وهكذا:

من كان مطبوعاً على الاعتدال ، سهل عليه الحكومة في الخصومات ، والعدل والنصفة في المعاملات.

وعلى هذا المثال والقياس سائر الأخلاق والسجايا المطبوعة في الجبلة المركوزة فيها ، إنما جعلت لكيما يسهل على النفس إظهار أفعالها وعلومها وصنائعها وسياساتها وتدبيرها بلا فكر ولا روية.

وأما من كان مطبوعاً على الضد من ذلك فهو يحتاج عند استعمال هذه الخصال ، وإظهار هذه الأفعال ، إلى فكر وروية واجتهاد شديد ، وكلفة ، ولا يفعل الإنسان هذه الأمور إلا بعد أمر ونهي ، ووعد ووعيد ، ومدح وذم ، وترغيب وترهيب.

وعلى هذا المثال يكون كل حكم في الطبع خلافه ، يحتاج صاحبه إلى أمر ونهي وفكر واجتهاد ورغبة.

وبهذه العلة وردت أكثر أوامر الناموس ونواهيه ؛ ولهذا السبب كان وعده ووعيده وترغيبه وترهيبه.

ولو كان الإنسان الواحد مطبوعاً على جميع الأخلاق:

لما كان عليه كلفة في إظهار كل الفعال وجميع الصنائع ، ولكن الإنسان المطلق الكلي هو المطبوع على قبول جميع الأخلاق ، وإظهار جميع الصنائع والأعمال ، لا الإنسان الجزئي.

وأعلم بأن:

كل الناس أشخاص لهذا الإنسان المطلق ، وهو الذي أشرنا إليه أنه خليفة الله في أرضه منذ يوم خلق آدم أبوالبشر إلى يوم القيامة الكبرى ، وهي النفس الكلية الإنسانية الموجودة في كل أشخاص الناس.

كما ذكر جل ثناؤه ، بقوله:

( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ).

وأعلم يا أخي ، أيدك الله بروح منه:

بأن هذا الإنسان المطلق الذي قلنا هو خليفة الله في أرضه ، وهو مطبوع على قبول جميع الأخلاق البشرية ، وجميع العلوم الإنسانية والصنائع الحكمية ، هو موجود في كل وقت وزمان ، ومع كل شخص من أشخاص البشر ، تظهر منه أفعاله وعلومه وأخلاقه وصنائعه ، ولكن من الأشخاص من هو أشد تهيؤاً لقبول علم من العلوم ، أوصناعة من الصنائع ، أوخلق من الأخلاق ، أوعمل من الأعمال ؛ والإظهار بحسب ذلك يكون.

وأعلم بأن:

العادات الجارية بالمداومة فيها ، تقوي الأخلاق المشاكلة لها ، كما أن النظر في العلوم والمداومة على البحث عنها ، والدرس لها ، والمذاكرة فيها ، يقوي الحذق بها والرسوخ فيها ؛ وهكذا المداومة على استعمال الصنائع ، والدؤوب فيها يقوي الحذق والأستاذية فيها ؛ وهكذا جميع الأخلاق والسجايا.

والمثال في ذلك .....

أن كثيراً من الصبيان إذا نشأوا مع الشجعان والفرسان وأصحاب السلاح ، وتربوا معهم ، تطبعوا بأخلاقهم ، وصاروا مثلهم.

وهكذا أيضاً:

كثير من الصبيان إذا نشأوا مع النساء والمخانيث والمعيوبين ، وتربوا معهم ، تطبعوا بأخلاقهم ، وصاروا مثلهم ، إن لم يكن في كل الخلق ففي بعض.

وعلى هذا القياس يجري حكم سائر الأخلاق والسجايا التي يتطبع عليها الصبيان منذ الصغر ، إما بأخلاق الآباء والأمهات ، أوالأخوة والأخوات والأتراب والأصدقاء والمعلمين والأستاذين المخالطين لهم في تصاريف أحوالهم.

وعلى هذا القياس حكم الآراء والمذاهب والديانات جميعاً.



( يتبع ..... )

downtown غير متصل   الرد مع إقتباس
 
أضف مشاركة


عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح

الإنتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت غرنتش + 3. الساعة الآن » 12:37 AM.

 

Graphic World

Graphic World. Web Solutions and development

جميع الحقوق محفوظة لمنتدى المسلمين الأحرار