04-11-2010, 02:13 PM
|
#59
|
|
Moderator
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرسالة التاسعة: الأخلاق وأسباب اختلافها وأنواع عللها.
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، آلله خير أم يشركون ، وإذ قد فرغنا من ذكر الجواهر الجسمانية ، ووصفنا هيولاتها وصورها وتركيبها.
وإذ فرغنا من ذكر تصاريف الأحوال بالإنسان في الرحم من يوم مسقط النطفة إلى يوم ولادة الجسد ، وبينا كيف ينضاف إلى خلقة الجنين قوى روحانيات الكواكب ، وكيف تنطبع في جبلته الأخلاق المختلفة المركوزة في الطبيعة تسعة أشهر شهراً بعد شهر ، الذي هو المكث الطبيعي إلى يوم ولادة الطفل ، واستئناف الإنسان العمر في الحياة الدنيا مائة وعشرين سنة ، فنريد أن نذكر في هذه الرسالة ما ينضاف إلى تلك الطباع المركوزة في الأخلاق المكتسبة بعد الولادة بالعادات الجارية ، والأسباب الداعية المولدة لها ، إما زائدة عليها أوناقصة عنها في تصاريف أيام الحياة الدنيا إلى يوم الممات الذي هومفارقة النفس الجسد ، وولادتها الثانية التي هي النشأة الأخرى.
كما ذكر الله - جل ثناؤه - بقوله:
( ولقد علمتم النشأة الأولى ، فلولا تذكرون ).
يعني النشأة الآخرة.
وقال تعالى:
( وننشئكم فيما لا تعلمون ).
وقال الله عز وجل:
( ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ، إن الله على كل شيء قدير ).
1- في قابلية الإنسان جميع الأخلاق.
أعلم يا أخي ، أيدك الله وإيانا بروح منه ، بأن الله جل ثناؤه:
لما أراد أن يجعل في الأرض خليفة له من البشر ليكون العالم السفلي الذي هو دون فلك القمر عامراً بكون الناس فيه ، مملوءاً من المصنوعات العجيبة على أيديهم ، محفوظاً على النظام والترتيب بالسياسات الناموسية والملكوتية والفلسفية والعامية والخاصية جميعاً ، ليكون العالم باقياً على أتم حالاته وأكمل غاياته ، كما ذكر في السفر الرابع من صحف هرمس وهو إدريس النبي عليه السلام ، فبدأ أولاً ربنا تعالى فبنى لخليفته هيكلاً من التراب عجيب البنية ، ظريف الخلقة ، مختلف الأعضاء ، كثير القوى ، ثم ركبها وصورها في أحسن صورة من سائر الحيوانات ، ليكون بها مفضلاً عليها ، مالكاً لها ، متصرفاً فيها كيف يشاء ؛ ثم نفخ فيه من روحه ، فقرن ذلك الجسد الترابي بنفس روحانية من أفضل النفوس الحيوانية وأشرفها ، ليكون بها متحركاً حساساً دراكاً علاماً فاعلاً ما يشاء ؛ ثم أيد نفسه بقوى روحانية سائر الكواكب في الفلك ، ليكون متهيئاً له بها ، وممكناً له قبول جميع سائر الأخلاق ، وتعلم جميع العلوم والآداب والرياضيات والمعارف والسياسات ، كما مكنه وهيأ له بأعضاء بدنه المختلفة الأشكال والهيئات تعاطي جميع الصنائع البشرية ، والأفعال الإنسانية ، والأعمال الملكية.
وذلك أنه:
قد جمع في بنية هيكله جميع أخلاط الأركان الأربعة ، وكل المزاجات التسعة في غاية الاعتدال ، ليكون بها متهيئاً وقابلاً لجميع أخلاق الحيوانات ، وخواص طباعها ؛ كل ذلك كيما يسهل عليه ويتهيأ له إظهار جميع الأفعال ، والصنائع العجيبة ، والأعمال المتقنة المختلفة ، والسياسات المحكمة ، إذ كان إظهارها كلها بعضو واحد وأداة واحدة وخلق واحد ومزاج واحد يتعذر على الإنسان.
والغرض من هذه كلها هو:
أن يتمكن للإنسان ويتهيأ له التشبه بإلهه وباريه الذي هو خليفته في أرضه ، وعامر عالمه ، ومالك ما فيه ، وسائس حيوانها ؛ ومربي نباتها ، ومستخرج معادنها ، ومتحكم ومتسلط على ما فيها ، ليدبرها تدبيرات سياسية ، ويسوسها سياسة ربوبية ، كما رسم له الوصايا الناموسية والرياضات الفلسفية ؛ كل ذلك كيما تصير نفسه بهذه العناية والسياسة والتدبير ملكاً من الملائكة المقربين ، فينال بذلك الخلود في النعيم إبد الآبدين ودهر الداهرين.
كما ذكر في بعض كتب أنبياء بني إسرائيل ، قال الله تعالى:
" يا بن آدم خلقتك للأبد ، وأنا حي لا أموت ؛ أطعني فيما أمرتك به ، وأنته عما نهيتك عنه ، أجعلك حياً لا تموت أبداً ، يا بن آدم أنا قادر على أن أقول للشيء كن فيكون ؛ أطعني فيما أمرتك به ، وأنته عما نهيتك عنه، أجعلك قادراً على أن تقول للشيء كن فيكون ".
وإذ قد تبين بما ذكرنا ما الغرض وما المراد من وجود الأخلاق المختلفة في جبلة الإنسان وطبيعته ، فنريد أن نذكر العلل والأسباب التي بها ومن أجلها تختلف أخلاق البشر وسجاياهم:
1- كم هي.
2- ما هي.
3- كيف هي.
4- إذ قد تبين ، فيما تقدم ، لم هي.
أ- وجوه اختلاف الأخلاق.
أعلم يا أخي أن أخلاق الناس وطبائعهم تختلف من أربعة وجوه:
أحدها .....
من جهة أخلاط أجسادهم ومزاج أخلاطها.
والثاني .....
من جهة تربة بلدانهم واختلاف أهويتها.
والثالث .....
من جهة نشوئهم على ديانات آبائهم ومعلميهم وأستاذيهم ومن يربيهم ويؤدبهم.
والرابع .....
من جهة موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم ، ومساقط نطفهم ، وهي الأصل وباقيها فروع عليه.
ونحتاج إلى شرح هذا الباب ليتبين صدق ما قلنا ، وحقيقة ما وصفنا ، ونبدأ أولاً بذكر العلل والأسباب التي تكون من جهة أخلاط الجسد وتغيرات أمزجتها من الاعتدال والزيادة والنقصان ، وما يتبعها من الخلاق والسجايا المختلفة المتضادة.
ب- اختلاف الأخلاق من جهة الخلاط.
أعلم يا أخي بأن المحروري الطباع من الناس وخاصة مزاج القلب:
يكونون على الأمر الأكثر شجعان القلوب ، أسخياء النفوس ، متهورين في الأمور المخوفة ، قليلي الثبات والتأني في الأمور ، مستعجلي الحركة ، شديدي الغضب ، سريعي المراجعة ، قليلي الحقد ، أذكياء النفوس ، حادي الخواطر ، جيدي التصور.
والمبرودين في الأمر الأكثر:
يكونون بليدي الذهن في أكثر الطباع ، ثقيلي الأرواح ، غير نضيجي الأخلاق.
والمرطوبين يكونون في أكثر الأمر:
ذوي طباع بليدة وقلة ثبات في الأمور ، ليني الجانب ، سمحاء النفوس ، طيبي الأخلاق ، سهلي القبول ، سريعي النسيان ، مع كثرة تهور في الأمور الطبيعية.
واليابسي المزاج يكونون في أكثر الأمور:
صابرين في الأعمال ، ثابتي الرأي ، عسري القبول ، الغالب عليهم الصبر والحقد والبخل والإمساك والحفظ.
ج- في خلق آدم - عليه السلام - كما وجد في بعض كتب بني إسرائيل.
وجد في بعض كتب أنبياء بني إسرائيل من صفة خلقة آدم وتكوين جسده ، أن الله - عز وجل - حين ابتدعه واخترعه قال:
" أني خلقت آدم وركبت بدنه من أربعة أشياء ، ثم جعلتها وراثة في ولده وذريته تنشأ في أجسادهم ، وينمون عليها إلى يوم القيامة: ركبت جسده من رطب ويابس ، وحار وبارد ، وذلك أني خلقته من تراب وماء ، ثم نفخت فيه نفساً وروحاً ، فيبوسة جسده من قبل التراب ، ورطوبته من قبل الماء ، وحرارته من النفس ، وبرودته من الروح. ثم جعلت في الجسد بعد هذا أربعة انواع أخر ، هن ملاك أمور الجسد ، لا يقوم الجسد إلا بهن ، ولا تقوم واحدة منهن إلا بالأخرى ، فمنهن المرة السوداء ، والمرة الصفراء ، والدم ، والبلغم ، ثم أسكنت بعضها في بعض ، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء ، والحرارة في المرة الصفراء ، والرطوبة في الدم ، والبرودة في البلغم.
فأيما جسد اعتدلت فيه ههذه الأربعة الأخلاط التي جعلتها ملاكه وقوامه ، وكانت كل واحدة منهن ربعاً لا تزيد ولا تنقص ، كملت صحته واعتدلت بنيته ؛ وإن زادت واحدة منهن على إخوانها وقهرتهن ومالت بهن ، دخل السقم على الجسد من ناحيتها ، بقدر ما زادت ؛ وإذا كانت ناقصة ضعفت طاقتها عن مقاومتها فغلبنها ودخل السقم على الجسد من نواحيهن بقدر قلتها عنهن وضعف طاقتها عن مقاومتهن ".
" ثم علمته الطب وكيفية الدواء ، وكيف يزيد في الناقص ، أوينقص في الزائد ، حتى يعتدل ويستقيم أمر الجسد ؛ فالطبيب الماهر العالم بالداء والدواء هو الذي يعرف من أين دخل السقم على الجسد من الزيادة والنقان ، ويعلم الدواء الذي يعالج به ، فيزيد في ناقصها ، وينقص من زائدها ، حتى يستقيم أمر الجسد على فطرته ، ويعتدل الشيء بأقرانه ".
" ثم صيرت هذه الأخلاط التي ركبت عليها الجسد فطراً وأصولاً عليها تبنى أخلاق بني آدم ، وبها توصف ، فمن التراب العزم ، ومن الماء اللين ، ومن الحرارة الحدة ، ومن البرودة الأناة. فإن مالت به اليبوسة وأفرطت ، كانت عزمته قساوة وفظاظة ؛ وإن مالت به الرطوبة ، كان لينه توانياً ومهانة ؛ وإن مالت به الحرارة ، كانت حدته طيشاً وسفاهة ؛ وإن مالت به البرودة ، كانت أناته ريثاً وبلادة ؛ وإن اعتدلت وكن سواءً ، اعتدلت أخلاقه واستقام أمره ، وكان عازماً في أناته ، ليناً في عزمه ، هادئاً في لينه ، متأنياً في حدته ، لا يغلبه خلق من أخلاقه ، ولا تميل به طبيعة من أخلاطه عن المقدار المعتدل ، من أيها شاء استكثر ، ومن أيها شاء قلل ، وكيف شاء عدل ".
" ثم نفخت فيه من روحي وقرنت بجدسه نفساً وروحاً: فبالنفس يسمع ابن آدم ويبصر ويشم ويذوق ويلمس ويحس ويأكل ويشرب وينام ويقعد ويضحك ويبكي ويفرح ويحزن ؛ وبالروح يعقل ويفهم ويدري ويتعلم ويستحي ويحلم ويحذر ويتقدم ويمنع ويتكرم ويقف ويهجم ؛ فمن النفس تكون حدته وخفته وشهوته ولعبه ولهوه وضحكه وسفهه وخداعه ومكره وعنفه وخرقه ؛ ومن الروح يكون حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وبهاؤه وفهمه وتكرمه وحذقه وصدقه ورفقه وصبره ، فإذا خاف ذو اللب أن يغلب عليه خلق من أخلاق النفس ، قابله بضده من أخلاق الروح ، وألزمه إياه فيعدله به ويقومه ، فيقابل الحدة بالحلم ، والخفة بالوقار ، والشهوة بالعفاف ، واللعب بالحياء ، واللهو بالبهاء ، والضحك بالهم ، والسفه بالكرم ، والخداع بالشجاعة ، والكذب بالصدق ، والعنف بالرفق ، والنزق بالصير ، والخرق بالأناة ، إذ كل مرض يعالج بضده. ومن التراب تكون قساوته وبخله وفظاظته وشحه ويأسه وقنوطه وعزمه وإصراره ؛ ومن الماء يكون لينه وسهولته واسترساله ومعروفه وتكرمه وسماحته وقوته وقربه وقبوله ورجاؤه واستبشاره. فإذا خاف ذو اللب أن يغلب عليه خلق من أخلاقه الترابية ، قابله بضده من الأخلاق المائية ، وألزمه إياه ليعدله ويقومه ، فيقابل القسوة باللين ، والبخل بالعطاء ، والفظاظة بالبشر ، والشح بالكرم ، واليأس بالرجاء ، والقنوط بالاستبشار ، والعزم بالقبول ، والإصرار بالعدل ".
وأعلم يا أخي بأن:
لكل خلق من الأخلاق أخوات مشاكلات ، ولهن أضداد مخالفات ، ولهن كلهن أفعال متباينات متضادات تحتاج إلى شرح لتبين وتعرف ، لأن هذا الباب من العلوم الشريفة والمعارف اللطيفة ، إذ كان من هذا الفن تعرف أخلاق الكرام من بني آدم ، وأخلاق الملائكة الذين هم سكان الجنان ، كما ذكر الله تعالى فقال:
( كراماً كاتبين ).
و ......
( كرام بررة ).
ومن هذا الباب تعرف أيضاً أخلاق الشياطين الذين هم أهل النيران كما ذكر الله تعالى بقوله:
( كلما دخلت أمة لعنت أختها. وقالوا: لا مرحباً بهم ، إنهم صالوالنار ).
وإذ قد تبين بما ذكرنا طرف من الأسباب المؤدية إلى اختلاف أخلاق الإنسان من جهة مزاج أخلاط جسده ، فنريد أيضاً أن نذكر طرفاً من الأسباب التي تكون من جهة اختلاف تربة البلاد ، وتغييرات أهويتها المؤدية إلى اختلاف الأخلاق.
( ينبع ..... )
|
|
|